اخر الاخبار

درعا.. بوابة جنوب سوريا وخط دفاع أمام توغل إسرائيل

تصاعدت التوترات في محافظة درعا، جنوبي سوريا، إلى مستوى غير مسبوق، خلال الأيام الماضية، في ظل اشتباك قوات إسرائيلية مع مسلحين محليين من أبناء المحافظة، ما أودى بحياة 9 وإصابة 23 آخرين، في مجزرة فجّرت غضباً شعبياً واسعاً.

وشيّع السوريون في محافظة درعا، الخميس، عدداً من أبنائهم الذين لقوا حتفهم خلال توغل القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

وتُعد محافظة درعا واحدة من أبرز المحافظات السورية من حيث الأهمية الجغرافية والتاريخية. وتقع المحافظة أقصى جنوب البلاد، تحدها من الشمال محافظة ريف دمشق، ومن الغرب القنيطرة، ومن الجنوب الأردن، ما يجعلها نقطة التقاء استراتيجية مع سوريا.

وتُعرف مدينة درعا، كبرى مدن المحافظة، بأنها قلب حوران النابض، وكانت تاريخياً مركزاً لإقليم حوران الذي امتد جنوباً ليشمل أجزاءً من شمال الأردن، وتشكل المحافظة بوابة سوريا الجنوبية، ومفصلاً حيوياً في التوازنات السياسية والاجتماعية للمنطقة.

ويشكّل المسلمون الغالبية العظمى من سكان محافظة درعا، مع وجود مكوّن مسيحي بارز في مدينة درعا نفسها، حيث يتعايش أبناء الطائفتين منذ أزمنة طويلة في نسيج اجتماعي متماسك، لكن السِمة الأبرز للمجتمع الحوراني هي بنيته العشائرية القوية، والتي لطالما تميّزت بها المحافظة عن باقي المناطق السورية.

وتتوزع العشائر في درعا، أو حوران، على امتداد سهل حوران من منطقة الكسوة جنوب دمشق إلى محافظة عجلون الأردنية، وتشمل روابط واسعة في مختلف المحافظات السورية، وتختلف هذه العشائر في الحجم والانتشار وعدد الأفراد، لكنها تتشابه في الحفاظ على تقاليدها وأعرافها، وفي وجود وجهاء مؤثرين يديرون شؤونها الداخلية.

ورغم محاولات النظام السوري السابق منذ سبعينيات القرن الماضي إضعاف هذه البنية العشائرية عبر اختراقات أمنية واجتماعية، إلا أن ذلك لم ينجح فعلياً، حيث بقي التماسك العشائري ركيزة أساسية في الحياة العامة بدرعا، مدعوماً بثقافة احترام الوجهاء والحلول العرفية للنزاعات.

شرارة الثورة السورية

رغم الوضع الاقتصادي المريح الذي كانت تعيشه محافظة درعا قبيل الثورة، مقارنة بمحافظات سورية أخرى، وبالأخص المجاورة لها، فإن الدور الحكومي في هذا الازدهار كان محدوداً، واقتصر في الغالب على بعض التسهيلات الزراعية. أما المشروعات الاقتصادية الكبرى، فغابت تماماً، باستثناء منشآت ومصانع خاسرة لم تسهم في تطوير البنية الاقتصادية للمحافظة، بل شكلت عبئاً إضافياً.

وفي عام 2008، أصدر رئيس النظام حينها بشار الأسد قراراً مفاجئاً عرف باسم “الموافقة الأمنية”، فرض من خلاله رقابة أمنية صارمة على التعاملات العقارية والاقتصادية تبدأ من درعا، وتنتهي في العاصمة دمشق ما جعلها خاضعة فعلياً لسلطة أجهزة الأمن.

هذا التعقيد البيروقراطي أدخل المحافظة في حالة كساد اقتصادي خانق، لا سيّما في ظل دفع رشاوى ضخمة، ما زاد من مشاعر التهميش والاحتقان لدى الأهالي.

وفي خضم هذا التوتر، جاء قرار تعيين عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، رئيساً لفرع الأمن السياسي في المحافظة، ليُعمّق الشرخ أكثر بين الأهالي والسلطة، إذ لم يكتف نجيب بدوره الأمني، بل بدأ بالتدخل في أدق تفاصيل الحياة اليومية في درعا، من ملفات المرور والنقل إلى التشديد على إجراءات الموافقة الأمنية، حيث كانت تُعطّل المعاملات في مكتبه لأشهر دون أي مبرر.

هذه السياسات القمعية والتمييزية شكَّلت وقوداً خامداً تحت سطح هادئ، سرعان ما اشتعل بعد أشهر فقط، لتبدأ من درعا شرارة الثورة السورية في مارس 2011.

وشهدت محافظة درعا تحوّلات جذرية بدأت باحتجاجات سلمية في مارس 2011 رفعت شعارات الكرامة والحرية، وشارك فيها أبناء المحافظة من مختلف الفئات، إلا أن القمع العنيف الذي مارسه النظام السوري ضد المتظاهرين، واعتقال الناشطين ومواجهتم بالسلاح، أدى إلى تحول الحراك إلى صراع مسلح، مدفوعاً أيضاً بطبيعة التركيبة العشائرية التي تحمل السلاح كجزء من ثقافتها في حماية الذات.

ومع توسع العمل المسلح، ظهرت فصائل ذات توجهات إسلامية متباينة، ما ساهم في تشرذم المعارضة المسلحة داخل المحافظة، وسط انقسامات وتنافس أيديولوجي، وضعف في التنسيق، ما أضعف الجبهة الداخلية، وأطال أمد الصراع.

اتفاقات المصالحة

في عام 2018، دخلت المحافظة مرحلة جديدة عبر “اتفاقات مصالحة” برعاية روسية هدفت لإعادة بسط سيطرة النظام على مناطق المعارضة، ورغم أن الاتفاقات خفّضت وتيرة العمليات العسكرية، إلا أن المحافظة ظلت تعيش فوضى أمنية بسبب اغتيالات وعمليات خطف واعتقالات، مع استمرار نشاط مجموعات مسلحة صغيرة ضد النظام في ظل الحضور الشكلي للنقاط الأمنية والعسكرية التابعة للنظام، دون قدرة فعلية على ضبط الأمن، أو السيطرة على الأرض، وغياب جهة أمنية فاعلة، أو نظام قضائي قادر على فرض الاستقرار.

بالمقابل، انخرط عدد من مقاتلي المعارضة السابقين في تسويات أمنية، وانضم بعضهم إلى تشكيلات موالية للنظام كـ “الفيلق الخامس”، بينما آثر آخرون البقاء ضمن مجموعات محلية غير مصنّفة، خاصة فصيل “شباب السنة” الذي توصل إلى تفاهمات مع الروس ضمنت له البقاء.

رغم ذلك، بقيت نسبة كبيرة من الفصائل المسلحة التي انخرطت في المصالحات ترفض المشاركة في أي معارك لصالح النظام، أو ضده خارج محافظتها، وركزت على حماية مناطقها، لتبدأ معاناة جديدة تمثّلت في ملاحقات أمنية، وبرزت في هذه المرحلة سمات الفوضى من انتشار السلاح وغياب المساءلة وتعدد دوافع الجرائم التي تراوحت بين تصفيات شخصية وخلافات سياسية، دون أن تنسب إلى جهة واحدة، أو تنال ملاحقة قانونية جادة.

خط الدفاع الأول أمام إسرائيل

في أواخر عام 2024، شهدت درعا تطوراً لافتاً، حيث بادرت الفصائل المحلية لتشكيل “غرفة عمليات الجنوب”، في محاولة لتوحيد الجهود، وكان لها دور محوري في سقوط نظام الأسد بالتنسيق مع “هيئة تحرير الشام”، بل كانت أول من دخل العاصمة دمشق قبل وصول الأخيرة.

إلا أن مرحلة ما بعد سقوط النظام لم تكن خالية من التحديات، إذ وقعت إشكالات بين عناصر تلك الفصائل والإدارة السورية الجديدة، التي لا تزال تنظر بعين الريبة إلى من سبق أن أجرى مصالحات مع النظام. ورغم ذلك، تشير الأجواء العامة في المحافظة إلى ميل نحو التهدئة والابتعاد عن التصعيد مع وزارة الدفاع السورية حالياً، في ظل رغبة الأهالي بعودة الاستقرار.

ومع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب السوري، برزت الفصائل المحلية بوصفها خط الدفاع الأول عن درعا، إذ تعيش حالة من القوة والتماسك غير المسبوقين.

وبمجرد إعلان الثوار دخول العاصمة دمشق، وسقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر، سارعت إسرائيل إلى استغلال الفراغ السياسي، وتوغلت في الجنوب السوري، بدءاً من احتلال جبل الشيخ والمناطق المحيطة به.

وفي 9 ديسمبر، صعدت إسرائيل عسكرياً بشكل واسع النطاق، حيث شنت أكثر من 250 غارة جوية إسرائيلية استهدفت مواقع استراتيجية في عموم سوريا، شملت أنظمة دفاع جوي، ومراكز تصنيع ذخائر، ومستودعات أسلحة، وصولاً إلى منشآت بحثية وعسكرية متقدمة، وكان لمحافظة درعا نصيب وافر من هذه الضربات.

وطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في فبراير الماضي، بإخلاء الجنوب السوري من القوات الأمنية التابعة للإدارة الجديدة، معلناً رفض تل أبيب أي وجود عسكري قرب حدودها، ما أثار موجة استنكار شعبي واسعة في درعا، باعتبار المطلب الإسرائيلي تمهيد لمرحلة جديدة من التوغلات العسكرية.

وفي 26 فبراير، بدأت أبرز التحركات الميدانية بتوغّل القوات الإسرائيلية في قرية البكار الواقعة غرب المحافظة، على الحدود الإدارية مع القنيطرة. تبعتها، مطلع مارس، عمليات توغل متواصلة لقرى ريف درعا الغربي، بدءاً من قرية جملة في حوض اليرموك، وتواصلت الاعتداءات في 10 مارس عبر ثلاث غارات استهدفت مواقع عسكرية داخل درعا.

وفي منتصف مارس أيضاً، توغلت القوات الإسرائيلية في الطرف الجنوبي من قرية معرية، حيث نفذت عمليات تفتيش قبل أن تنسحب بعد ساعات.

وشهد يوم 18 مارس منعطفاً دموياً، حين أسفرت غارات إسرائيلية على مواقع عسكرية وسكنية عن سقوط 3 أشخاص وإصابة 19 آخرين.

وفي مطلع أبريل، تصاعد الموقف إلى مستوى غير مسبوق، مع تقدم القوات الإسرائيلية إلى عمق غير معتاد داخل الأراضي السورية، ووقوع اشتباكات خاضها المسلحون المحليون من أبناء المحافظة، في ظل غارات على حرش سد الجبيلية، بين مدينة نوى وبلدة تسيل غرب درعا، ما أودى بحياة 9 سوريين وإصابة 23 آخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *