اخبار تركيا
تناول مقال تحليلي للكاتب والباحثة المصرية صالحة علام، في موقع الجزيرة مباشر، الانسحاب المفاجئ للقوات الأمريكية من قواعدها في العراق وإعادة تموضعها في أربيل ودولة عربية مجاورة، في خطوة وُصفت بأنها تكتيكية تهدف إلى تقليص التكاليف وحماية الجنود الأمريكيين من تصاعد هجمات الفصائل المدعومة من إيران.
وتسلّط الكاتبة الضوء على الاستعداد التركي المبكر لهذه اللحظة من خلال تبني رؤية “الملكية الإقليمية”، وتشكيل تحالف رباعي مع العراق وسوريا والأردن لمواجهة تنظيم داعش، إلى جانب التنسيق مع واشنطن لتفادي أي فراغ أمني.
وتركز كذلك على المكاسب التي قد تحققها تركيا من رعايتها للمصالح الأمريكية بالعراق، مثل تعزيز نفوذها الإقليمي، مواجهة التنظيمات الكردية المسلحة، التصدي للمشاريع الإسرائيلية، وطرح نفسها قوة متوازنة قادرة على إدارة ملفات المنطقة.
وفيما يلي نص المقال:
في خطوة مفاجئة، قامت الإدارة الأمريكية بسحب جميع قواتها من قاعدتي “عين الأسد” و”فكتوريا” بالعراق، ونقلهم بعتادهم العسكري إلى أربيل في إقليم كردستان، وبلد عربي مجاور، عقب إبلاغها المسؤولين العراقيين نيتها عدم الالتزام بالجدول الزمني المتفق عليه، ورغبتها في تسريع عملية الانسحاب قبل الموعد الذي سبق تحديده في الاتفاقية الموقعة بينهما بشأن هذه المسألة، وكان مقررًا في شهر سبتمبر/أيلول المقبل.
التحرك الأمريكي عده البعض إعادة تموضع تكتيكي يهدف إلى تعزيز نفوذ الولايات المتحدة، والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، مع تقليص حجم التكلفة، والحد من الأخطار الأمنية والعسكرية والسياسية التي يمكن أن تواجهها، وليس انسحابًا كليًّا بالمعنى المطلق للكلمة، لكنه يشير في نهاية المطاف إلى أن المنطقة أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تطورات وأحداث على درجة عالية من الأهمية والخطورة، ستُحدث تغييرات سياسية وديموغرافية كبيرة.
ويعني كذلك أن الخطوة الأمريكية المتسارعة تهدف إلى حماية جنود الولايات المتحدة بالعراق من أي استهدافات قد تطالهم خلال هذه التطورات، خاصة مع تصاعد هجمات الميليشيات المدعومة من إيران ضد قواعدها هناك، في ظل تزايد احتمالات تجدد المواجهات العسكرية بين تل أبيب وطهران، واحتمال دخول الولايات المتحدة طرفًا أساسيًّا فيها هذه المرة بهدف القضاء تمامًا على البرنامج النووي الإيراني.
وهو الهدف الذي فشلت إسرائيل في تحقيقه خلال المواجهة الأولى، إلى جانب العمل على تقويض الرواية الإيرانية بشأن المقاومة العراقية ضد الوجود الأمريكي، وتحقيق أذرعها لانتصارات في الهجمات التي تستهدف من خلالها القواعد الأمريكية في وسط وغرب العراق بين الفينة والأخرى، وتفنيد تلك الانتصارات التي تراها واشنطن دعائية وليست حقيقية.
الخطوة الأمريكية التي عدّت مفاجئة لكثير من المراقبين والمحللين السياسيين، كانت منتظرة من الجانب التركي، الذي أخذ تصريحات ترامب أثناء حملته الانتخابية بهذا الشأن على محمل الجد، لذا أعد العدة، واستبق التحرك الأمريكي بتحرك سياسي إقليمي منذ أشهر تحسبًا لهذه اللحظة الحاسمة التي كان ينتظرها بصبر فارغ.
فأنقرة تتبنى رؤية “الملكية الإقليمية” التي تقوم على فكرة أن دول المنطقة يقع على عاتقها وحدها حل كافة القضايا والمشاكل التي تقع في إطارها الجغرافي بعيدًا عن أي تدخلات خارجية، حفاظًا على الأمن والاستقرار فيها، وتلافيًا لاتساع نطاق هذه المشكلات وفق ما تقتضيه مصالح الأطراف الخارجية.
وتحقيقًا لهذه الرؤية واستباقًا للخطوة الأمريكية، سارعت لتشكيل تحالف إقليمي يضمها هي وسوريا والعراق والأردن، بهدف معلن وهو محاربة تنظيم داعش، ومنعه من تهديد دول المنطقة، وهو الهدف الرئيسي الذي من أجله جاءت قوات التحالف؛ ومن ضمنها القوات الأمريكية للمنطقة.
ويشمل الاتفاق المبرم بين الدول الأربع وضع خطة شاملة للتعاون والتنسيق العسكري والأمني والاستخباري، وتبادل المعلومات، والقيام بعمليات مشتركة لحفظ أمن الحدود، ومنع تنقل عناصر التنظيم في محيطها الجغرافي.
كما قامت القيادة السياسية التركية بتقديم اقتراحات محددة للإدارة الأمريكية عبر الأطر الدبلوماسية تلبي احتياجاتها الأمنية، لدعم قرارها الخاص بسحب قواتها من العراق وسوريا، بما يضمن لها قدرة دول المنطقة على فرض سيطرتها الكاملة على تحقيق الأمن، وتعقب فلول عناصر داعش، وتجفيف مصادره التمويلية، حتى إدارة السجون التي تضم المعتقلين منهم في شمال شرق سوريا.
ويبدو أن وجهة النظر الأمريكية أصبحت تتفق مع الرؤية التركية في هذا الشأن، خاصة أنها تحقق لها المعادلة الصعبة التي ترتكز على استمرار وجودها بنفوذ قوي بأقل تكلفة ممكنة، إذ إن تركيا لديها فعلًا قوة عسكرية موجودة داخل الأراضي العراقية قوامها حوالي 3000 جندي بعتادهم العسكري، تدعمهم عناصر استخبارية منتشرة في مناطق تمركزهم.
وهو ما يبدد مخاوف واشنطن من احتمال حدوث فراغ أمني عقب انسحاب قواتها، وتشجيع الفصائل المسلحة لتعزيز وجودها بما يجعل العراق ساحة مزدوجة المؤسسات، وهو ما من شأنه إضعاف سلطة الحكومة المركزية ببغداد.
وهذا يشير إلى أن الخطوة الأمريكية بالانسحاب من العراق تمت بالترتيب المسبق مع تركيا، التي من المنتظر أن تتولى رعاية المصالح الأمريكية في العراق، وربما في سوريا لاحقًا.
يؤكد ذلك الطرح التطور الذي تشهده العلاقات بين البلدين في العديد من الملفات الإقليمية والدولية منذ وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، وإدراكه لأهمية تعاونه مع أنقرة، في ظل استمرار التوترات في المنطقة، وقدرة الدبلوماسية التركية على القيام بدور الوساطة بين الأطراف المتنازعة، إلى جانب دورها في إمدادات الطاقة إلى دول أوروبا عبر موانئها، مما جعله يوافق على إبرام اتفاقية بيعها طائرات أف16 المطورة، مع الحديث عن احتمال إعادتها إلى برنامج تصنيع طائرات أف35 مرة أخرى.
تولّي أنقرة رعاية مصالح واشنطن في العراق لن يمنحها فقط فرصة لملء الفراغ الاستراتيجي الناجم عن سحب القوات الأمريكية، في ظل غياب التأثير الإقليمي لروسيا بسبب استمرار حربها مع أوكرانيا، وتراجع النفوذ الإيراني نتيجة الضغوط الدولية والخسائر المتتالية التي منيت بها طهران مؤخرًا، بل سيحقق لها العديد من الأهداف التي طالما كانت تسعى إليها.
ومن تلك الأهداف القضاء على كافة العناصر الكردية المسلحة في جبال قنديل الرافضة تسليم سلاحها وفق مبادرة “تركيا خالية من الإرهاب”، وتلبية دعوة عبد الله أوجلان لعناصر حزب العمال الكردستاني لإلقاء السلاح.
والتصدي للمشروع الصهيوني المعروف باسم “ممر داود” أو “ممر ترامب”، وهو المشروع الذي تعده تهديدًا مباشرًا للعمق الجيوسياسي للمنطقة بكاملها.
وضمان وقف كافة صور الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية، التي تعدها أنقرة أحد أذرع حزب العمال الكردستاني، والقضاء على أي محاولة تستهدف إقامة كيان فيدرالي في شمال شرق سوريا.
والقيام بمهمة إدارة المناطق الحدودية التي تربطها بكل من العراق وسوريا، ومن ثم تحجيم العناصر المسلحة ووقف عملياتها العسكرية التي تهدد الداخل التركي.
وفي النهاية تقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية متوازنة، لديها القدرة على التعاطي مع ملفات المنطقة وقضاياها، وتتمتع بقبول إقليمي ودولي.