عدنانبوينو قره مجلة كريتيك باكيش الفكرية

يفتح قرار حلّ تنظيم حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) لنفسه نافذة فرصة تاريخية أمام تركيا. لأن نجاح هذه العملية يعني تحرر تركيا من قيودها داخلياً وخارجياً. فتركيا المتحررة من عبء الإرهاب تستطيع أن تعيد صياغة علاقة المجتمع بالدولة على أرضية أكثر صحة في الداخل، وتحصل في الخارج على إمكانيات انتهاج سياسة خارجية أكثر طموحاً. وبالتالي فإن هذه العملية هي عملية وطنية تتجاوز الأحزاب والهويات والأيديولوجيات، إنها عملية تخص البلاد بأسرها. لذلك ينبغي التعامل معها بحساسية وجدية عالية، وألا يُسمح للانتهازية المرحلية أو تلاعبات استطلاعات الرأي بأن تُلقي بظلالها على معناها التاريخي.

اللحظات الرمزية على وجه الخصوص، مثل “حرق الأسلحة”، أو دعوة أوجلان الصريحة إلى نزع السلاح، أو تبني أردوغان وبهتشلي للعملية بأقوى العبارات، أو إعلان حزب الشعب الجمهوري دعمه لها، شهدت إجراء أبحاث ميدانية جدية أظهرت بوضوح تأييد الشعب القوي للعملية. ولا يوجد أي مبرر جدي على الأقل حتى اليوم لتغيير هذا الرأي المتشكل لدى الأمة بسرعة. فالقضية قضية جميع أبناء الشعب، وهي مشروع دولة، ونضال تخوضه تركيا أثناء دخولها قرنها الجديد لإطلاق بداية جديدة بإغلاق دفاتر القرن الماضي.

“عقبة سوريا”

إن الموضوع الذي صاغه مسعود ييغان بمصطلح “عقبة روجافا” يمكن اعتباره أيضا بمعنى آخر عقبة سوريا. لأنه مع تقدم عملية حلّ حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه، تطرح باستمرار قضية سوريا وبنية “قسد” (قوات سوريا الديمقراطية). تشكّلت “قسد” بتوجيه أمريكي ودعم مالي وتسليحي وبإدارة العشائر، وتخضع في آلية اتخاذ القرار لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي (بي واي دي) الذي يعدّ تنظيماً فرعياً ضمن منظومة اتحاد مجتمعات كردستان (كي جي كي). ولا يوجد للعشائر العربية والكردية المدمجة في “قسد” أي تمثيل في آلية اتخاذ القرار العليا، فهي مجرد منفّذ لما تقرره كوادر حزب العمال الكردستاني. هذا الوضع، إضافة إلى إصرار “قسد” على مواصلة استخدام السلاح كأداة، يمثل مشكلة جدية لمستقبل سوريا.

كما أن اللغة التي يستخدمها التنظيم ضد حكومة دمشق الجديدة التي أطاحت بنظام البعث، تعمق هذه المشكلة. . فمن الواضح أن العبارات المستخدمة من قبيل “عصابات الجهاديين” تخاطب شريان الإسلاموفوبيا في الغرب لإثارته، وتبعث برسائل إلى إسرائيل الدولة الإرهابية التي تجر المنطقة إلى الفوضى. وهناك نتيجتان يأملون في تحقيقهما من خلال هذا الموقف. أولاً، تكريس هيمنتهم التي فرضوها على العشائر الكردية والعربية بدعم أمريكي. ثانياً، تقسيم البلاد بشكل فعلي عبر جيوش موازية رغم حفاظها على وحدتها بصورة شكلية. وقبل أيام، قالت إلهام أحمد، لشبكة رووداو، إن “نزع السلاح بالنسبة لنا ليس ضمن أجنداتنا على الإطلاق”، وهو ما يوضّح هذا الموقف.

علاوة على ذلك، هناك نقطة مهمة لا ينبغي نسيانها وهي وجود ثلاث كيانات قاتلت بأشكال مختلفة ضد تطلعات الجماهير الواسعة التي رفعت صوتها مع الربيع العربي أيضًا ضد نظام القمع الذي استمر عقودا طويلة في سوريا. وقفت هذه الكيانات الثلاثة في النهاية ضد المطالب المشروعة للشعب السوري. ربما لم يتمكنوا من عرقلة الثورة السورية، لكنهم ساهموا بشكل مباشر ونشط في تأخيرها بأثمان باهظة، وهي بلا شك؛ وهي بي كي كي/قسد، وداعش، وحزب الله/إيران/روسيا.

قضايا تخص “قسد” يجب طرحها للنقاش

تتيح العملية التي بدأت في تركيا مناقشة جميع القضايا بأكبر قدر ممكن من الصراحة. لذلك، عند الحديث عن “قسد”، لا نحتاج إلى لعبة كلمات أو أحرف. وفي هذا الإطار، من المفيد مناقشة بعض القضايا التي يمكن تجميعها تحت سبع عناوين:

الأول: جميعنا نعلم جيدا أن حزب العمال الكردستاني له أذرع سياسية وعسكرية في أربع دول، ويتم تلبية جميع احتياجاتها من القيادات والعناصر من مخزون مشترك”. لذلك، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب يمثل الذراع السوري للتنظيم وهو مشكل بناء على نفس الأيديولوجيا ومن نفس المخزون المشترك للعناصر. وبالتالي، فإن آليات صنع القرار العليا الموجودة في سوريا، مثل قيادات حركة المجتمع الديمقراطي ووحدات حماية الشعب/وحدات حماية المرأة، و”قسد”، يتم التحكم فيها جميعًا من قبل كوادر حزب العمال الكردستاني. الهدف من هذه الهياكل المشكلة هو الحفاظ على النموذج الفكري للتنظيم وترسيخ هيمنته الميدانية على الديناميكيات المحلية الناشئة.

الثاني: نقل تنظيم حزب العمال الكردستاني لتجربته في تركيا ما قبل الثمانينيات إلى سوريا. في هذا العنوان، من الممكن التطرق إلى موضوعين. الأول: قضية قيام التنظيم بالقضاء على جميع المنظمات الكردية في المنطقة أو إجبارها على الهجرة من أجل إقامة الهيمنة على الأرض. ولا شك أن الأكراد يعرفون هذا أفضل من الآخرين. بعض المؤتمرات التي عقدت مؤخراً كانت بمشاركة هياكل تم تصفية ناشطيها الرئيسيين وأعلنت ولاءها للتنظيم. الثاني: كفاح العشائر الكردية والعربية ضد الأذرع التابعة للتنظيم في عامي 2010 و2011. لقد شاهدنا جميعًا هذا في التاريخ السوري الحديث. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك اشتباكات متعددة في الآونة الأخيرة أيضاً ضد المظلة التي شكلها التنظيم اعتمادا على تأثير الولايات المتحدة.

الثالث: حالة التوافق والتواصل لدى وحدات حماية الشعب و”قسد” مع النظام، خلال الفترة الممتدة من ظهور المعارضة المجتمعية ضد نظام البعث وبدء الحرب بعد المذابح، وحتى الإطاحة بالأسد. لا يزال الشعب السوري يتذكر عدم دخول التنظيم في صراع مع النظام، بل حتى تنازل النظام طواعية عن بعض المناطق له. وحدات حماية الشعب/قسد، هي عبارة عن تنظيم لم يبدِ أدنى رد فعل بينما كان يذبح مئات الآلاف من الناس، وتُستخدم القنابل الكيماوية، ويُجبر الملايين على النزوح. هذه الأمور لا يتم طرح تساؤلات وشكوك بشأنها من أجل وحدة سوريا، لكن التنظيم لا يرى مثل هذه النوايا الحسنة.

الرابع: مواضيع مثل المجالس المحلية المشكلة في سوريا، وقضية المشاركة، والتوازنات العرقية، والتناقض بين النظرية والتطبيق. نظرياً، النص المُعبّر عنه باسم “دستور روجافا” يتصور وجود مجالس محلية، وكانتونات، وهيكل كونفدرالي. ولكن عملياً، يتم اتخاذ القرارات في أعلى الهرم ويتم إملاؤها على القاعدة. الوظيفة الوحيدة للمجالس المحلية هي تنفيذ القرارات المتخذة في الأعلى. أما نظام الرئاسة المشتركة، فهو يعني أن المجالس المحلية يجب أن تكون أيضا خاضعة للتحكم والإدارة من قبل كوادر التنظيم. وهذا يظهر أن ادعاءات مثل “الأمة الديمقراطية” أو “الجمهورية الديمقراطية” ليست حقيقية، وأن النموذج المفضل هو النموذج الذي تديره كوادر الحزب وليس نموذجاً قائماً على مشاركة القاعدة.

الخامس: البنية الاجتماعية والتوازنات العرقية. على الرغم من أن غالبية العناصر المسلحة في “قسد” تتكون من العرب، إلا أن الكوادر القيادية هي كلها تقريبا من أعضاء حزب العمال الكردستاني. ورغم أن العشائر لها وزن على المستوى المحلي، لكنها لا تملك تمثيلاً في آلية صنع القرار السياسي والعسكري الأعلى. سبب ذلك هو انعدام الثقة التي تكنها كوادر حزب العمال الكردستاني تجاه العشائر ووضع شرط مسبق يعتبر التنظيم معنيا عن جميع الأمور. هذا الوضع ينطبق على العشائر الكردية والعربية. وبالطبع، هناك عامل آخر مؤثر هنا وهو مفهوم “القيادة الثورية” الذي يفرضه التنظيم. أي أن الجماهير تشارك لكن “الطليعة الواعية” هي التي توجّه آلية صنع القرار. هنا لا يوجد شعب، وإنما تنظيم.

السادس: التناقض بين النظرية والتطبيق. نظرياً، هناك أمة ديمقراطية، تعددية وتمثيل متساو. أما عملياً، فإننا نشهد مركزية القرارات من خلال عناصر مثل الأولويات الأمنية، وضغوط كوادر حزب العمال الكردستاني، والسيطرة، ونهج قيادة تنظيم. أي أن العملية التي بدأت بوعود “ديمقراطية الشعب” قد تحولت فعلياً إلى “هيمنة الكوادر”. من الممكن تفسير هذا الوضع من خلال عاملين. الأول: فكرة الحزب الطليعي. أي أن ثقافة تنظيم حزب العمال الكردستاني ذات الجذور الماركسيةاللينينية تعتمد على توجيه الكوادر الطليعية أكثر من المشاركة. والثاني: القبول بأن الثقة في الهياكل المجتمعية ليست صحيحة. بل فهم قائم على أن العشائر تفتقر إلى فكرة الأمة الديمقراطية، وبالتالي فإن إدارة كوادر التنظيم للعملية أمر حتمي.

عندما يُطرح موضوع سوريا و”قسد”، يُطلب منا أن نصدق عدم وجود هذه الحقائق التي حاولنا تلخيصها بإيجاز، وأن هناك هيكلاً ديمقراطياً قائماً. هذا ليس صحيحاً ويؤدي في النهاية إلى استنتاجات خاطئة. إذا كان لا يزال هناك فضول حول طبيعة الهيكل القائم في سوريا على الرغم من هذه النقاط، فيجب النظر إلى من قال “هذا البيان لا يشمل سوريا” مباشرة بعد تصريح 27 فبراير.

موقف أنقرة

تسعى أنقرة إلى حل القضية الداخلية الخاصة بها، وفي نفس الوقت حماية حقوق الأكراد ومصالحهم في دول المنطقة. وقد أظهرت ذلك تجاه الحكومة المركزية في العراق، كما أنها أعلمت إدارة دمشق مراراً برغبتها في تحقيق ذلك في سوريا أيضاً. تدافع أنقرة عن ضرورة إنهاء الأنشطة الإرهابية، وتخلي التنظيمات عن السلاح، واختيار طريق السياسة الديمقراطية. يستند هذا التوجه إلى حماية حقوق الأكراد أينما كانوا في العالم، وإلى مبدأ المواطنة متساوية الحقوق داخل البلاد. العنصر الوحيد الذي يعطل هذا التوجه هو السلاح. إن خطوات نزع السلاح، والمشاركة في الحياة السياسية، والتحول الديمقراطي للدولة تمثل الأولوية الأساسية للحكومة والمسار القائم.

الخط الذي تتبعه أنقرة يحمل أيضا قيمة كبيرة من منظور رؤية السلام الإقليمي. فهو يمثل رؤية تُعطي الأولوية للدبلوماسية والسلام المجتمعي في مواجهة الخطاب والمواقف التي تمجد السلاح في سوريا. السياسة المتبعة في الملف السوري تهدف إلى تمكين جميع المكونات في سوريا من تمثيل نفسها بحرية، وتنفيذ مبدأ المواطنة المتساوية، وضمان وحدة الأراضي السورية والاستقرار الإقليمي. هذا الموقف يعزز أيضًا الشرعية الدولية لأنقرة.

الحملة السلبية الموجهة ضد هاكان فيدان

في الفترة الأخيرة، تُشن حملتان سلبيتان ضد وزير الخارجية هاكان فيدان. مصدر الأولى هو أوساط حزب العمال الكردستاني. إن وزير الخارجية هاكان فيدان هو الشخصية التي ترى المناورات التي ذكرناها لـ”قسد” وتستطيع قراءة نواياهم والتحدث عنها. يقوم فيدان بكشف موقف التنظيم في سوريا، وعبر هذه النقطة، يتم استهدافه. في الواقع، تمثل اللغة المستخدمة تعبيرا عن الأزمة الوجودية التي تعيشها هذه الكيانات. مقترح أنقرة للحل هو أن تصبح جميع المكونات في البلاد جزءاً مؤسساً لسوريا الجديدة وجزءاً من النسيج الاجتماعي الطبيعي للمنطقة. أما العقلية الحالية للتنظيم فهي أن تكون جزءاً من ألعاب ستنأى بها عن المنطقة أو الجغرافيا أو التاريخ من خلال طلب العون من الخارج. باختصار، إما أن تكون فاعلاً شرعياً في سوريا الجديدة أو أن تبقى تنظيما عتيقا فاتته مرحلة جديدة. لكن لا يمكن الجمع بين الاثنين في آن واحد. فبدلاً من مواجهة الأزمة التي يعيشها واتخاذ قرار واضح لصالح الشرعية، فإن التنظيم، من خلال مهاجمته لفيدان، يعمق أزمته وينأى بنفسه أكثر عن المنطقة.

الشريحة الثانية التي تستهدف فيدان هي حزب المعارضة الرئيسي. المثير للاهتمام هنا هو أن هذه الانتقادات لا تقدم لنا أي شيء عن رؤية حزب الشعب الجمهوري للسياسة الخارجية. على العكس من ذلك، فإن الحملة السلبية ضد فيدان تكشف عن عدم وجود سياسة خارجية لدى حزب الشعب الجمهوري. فهو لا يقول أي شيء حول ما تمثله تركيا في العالم أو ما ينبغي أن تمثله. بل على العكس، فإن التصريحات غير المبررة ضد فيدان تعني مهاجمة أقوى عضلة لدى حزب العدالة والتنمية. لأن السياسة الخارجية هي أقوى عضلة للحكومة. وهي تحظى بتأييد يفوق مجموع أصوات تحالف الجمهور. وتؤكد استطلاعات الرأي العام المختلفة ذلك. من خلال مهاجمة الاسم الرمزي لهذه السياسة والنجاح، لا يمكن للمعارضة التغلب على أزمة انعدام السياسة الخارجية ولا يمكنها فهم العالم القادم. ولا شك أن الانجرار وراء شخصية دبلوماسية سابقة تستخدم تكتيكات على شاكلة تنظيم غولن وتظهر عداءها الشخصي للعلن، لا يُكسب حزب الشعب الجمهوري أي شيء.

ماذا يقول هاكان فيدان؟

بسبب النهج الذي اتبعه في منصبه السابق ومعرفته العميقة بالتنظيم، يكشف وزير الخارجية هاكان فيدان عن موقف أنقرة بوضوح. إذا أخذنا تصريحات فيدان ككل، فمن الواضح أن موقفه من القضية الكردية محدد جيدًا. في مقابلة مع قناة UTV في 7 أبريل، صرح قائلاً: “بعد النداء الأخير الذي وجهناه، نأمل ونتطلع ونرغب في أن يتم الاستماع إلى هذا النداء، وأن يعقد التنظيم مؤتمره كما طلب زعيمه، ويتخذ قرارًا بحل نفسه ونزع سلاحه. إذا فعل هذا، فإن الأكراد وشعوب المنطقة في العراق وتركيا وسوريا سوف يستفيدون بشكل كبير. وسوف يحول عنصر إرهابي نفسه إلى كيان مختلف. الآن يجب على التنظيم أن يفهم أننا مستعدون لقبول كل المواقف غير المسلحة؛ في العراق وسوريا وتركيا، ولكن عندما يكون هناك تهديد إرهابي مسلح، فلا أحد يستطيع أن يسمح بذلك”. هذا التقييم يعبر عن الخط الذي أتحدث عنه.

من الممكن وصف الخط الذي يمثله فيدان بعبارة “مفتاح السلام الإقليمي: الدبلوماسية وعقل الدولة”. بدلاً من العبارات المقتطعة، يمكن لأولئك الذين يبحثون عن تقييم حقيقي أن يقرأوا التصريح الصادر بعد الاجتماع بين فيدان والشيباني في 13 أغسطس. تصريح فيدان الذي قال فيه إن “سوريا الجديدة يجب أن تكون بلدًا يصان ويتعايش فيه جميع المكونات والمعتقدات والثقافات ونحن في تركيا نقدم توصيات بهذا الاتجاه”، يجسد الرؤية التي ناقشناها.

المشكلة الوحيدة بالنسبة لأنقرة هي وجود عناصر مسلحة، ووحدة أراضي جيرانها، وأمن حدودها. عندما لا تكون هناك مشكلة في هذه القضايا، يمكن مناقشة أي موضوع والتحدث عنه. ولكن إذا لم يتم إظهار الإرادة اللازمة لاتخاذ خطوات بشأن هذه القضايا رغم وضوح عناصر الخطر والتهديد، فإن الانزعاج من حديث أنقرة عن هذه المخاطر ليس في محله. من خلال إبقاء قنوات الحوار مفتوحة خلال عملية الحل، قدم فيدان مساهمات حاسمة فيما يتعلق بنهج تركي يبني الثقة تجاه القضية. لقد أظهرت مواقفه البناءة خلال هذه الفترة أنه لا يمتلك منظورًا أمنيًا فحسب، بل أيضًا منظورًا سياسيًا واجتماعيًا للحلول. في الوقت نفسه، تظهر اللغة الدبلوماسية لفيدان أن أنقرة تراعي حساسيات شعوب المنطقة في الكفاح ضد جميع الكيانات المسلحة في الداخل والخارج.

يُلاحظ أن بعض العناصر داخل الكيان في سوريا منزعجة من منظور أنقرة “لمستقبل مشترك وسلمي خالٍ من الإرهاب مع الأكراد”. تعبر أنقرة عن موقفها عبر وزير الخارجية فيدان، وهذا الخط يمثل إمكانية المستقبل الذي ناقشناه. يتمتع نهج أنقرة القائم على المواطنة المتساوية والسياسة الديمقراطية بأساس قوي لا يمكن للحملات السلبية التي يتم شنها أن تحجبه. يتضمن هذا الأساس متابعة حقوق الأكراد خارج البلاد والمواطنة متساوية الحقوق. لكنه لا يسمح أيضًا بالرغبة في ممارسة السياسة من خلال التلويح بالسلاح في اليد.

ما هو هدف الحملة السلبية؟

إلى جانب ذلك، يمكن الحديث عن ثلاثة أهداف منفصلة فيما يتعلق بالمناقشات التي يثيرها حزب الشعب الجمهوري بشكل خاص ضد شخصية هاكان فيدان.

الأول: جعل هاكان فيدان موضوعا للنقاش سياسيًا وإذا أمكن “تشويه سمعته”. لأن فيدان يشغل مناصب حساسة في الدولة منذ سنوات طويلة. وقد كافح وسيواصل الكفاح ضد العديد من البؤر داخل البلاد وخارجها. وبسبب هذه النضالات التي يخوضها، فهو يمثل هدفًا مهمًا بالنسبة للعديد من البؤر والمنافسين السياسيين. انزعاج إسرائيل من فيدان معروف للجميع. ففي الأيام الأولى من تعيينه رئيسا لجهاز الاستخبارات الوطني، شنت إسرائيل حملة دولية ضد فيدان. وتزامنت تلك الحملة مع استهداف تنظيم غولن لفيدان.

الثاني: تقويض الثقة داخل مؤسسات الدولة. المصداقية في مجال الاستخبارات والسياسة الخارجية مهمة للغاية على الصعيدين المحلي والدولي. ومن الواضح أن الهدف من الحملات السلبية التي يشنها حزب الشعب الجمهوري هو جعل مصداقية فيدان موضع جدل ومحاولة تقويضها.

الثالث: خلق تصور سلبي على الساحة الدولية. لأنقرة مشاريع إقليمية كبيرة تنفذها في السنوات الأخيرة. وجميع المشاريع الدولية تتم من خلال فيدان، بحكم منصبه. وتهدف هذه الحملة إلى إضعاف قوة فيدان التفاوضية لدى الدول الأجنبية.

في غضون ذلك، من الواضح أن بعض المناقشات التي يجريها التنظيم في سياق “قسد”، وبعض التقييمات التي تُطرح بمناسبة هذه المناقشات، تؤدي من ناحية إلى وظيفة تقييد عملية نزع سلاح وحل حزب العمال الكردستاني، من خلال تركيا، ومن ناحية أخرى إلى التستر على المطالب القصوى المتطرفة لحزب العمال الكردستاني.

التركيز على المستقبل

عند الأخذ بالاعتبار التقييمات المبنية على الأسباب الثلاثة التي ذكرتها وعدم القراءة المتعمقة للتصريحات، يتضح أن نهج السياسة الخارجية الذي تتبناه أنقرة خلال العامين الماضيين يضع القضية في سياق سياسي وجيوسياسي. الرؤية الدبلوماسية والسلمية التي تُعرض في مواجهة تصريحات “قسد” ذات الطابع الإملائي والمهينة تجاه حكومة دمشق، والنهج القائم على السلاح، تمثل الطريق الأكثر واقعية ليس فقط لمستقبل تركيا بل أيضًا لمستقبل المنطقة. نحن على أعتاب فرصة تاريخية. وتركيا، عندما تحقق السلام المجتمعي، لن تكتفي فقط بتقوية نسيجها الداخلي بل ستتحول أيضًا إلى فاعل أكثر طموحًا في الخارج. هذه قضية تتجاوز الأحزاب وهي مؤشر على طبيعة المسار الذي ستسلكه تركيا في القرن الجديد. يجب أن نتعامل مع هذه المرحلة بهذه الجدية والحساسية. وينبغي أن نبني المستقبل بلغة جديدة ورؤية جديدة.

شاركها.