كشفت دراسة حديثة قادها معهد جورج للصحة العالمية بأستراليا عن تطوير أداة إلكترونية جديدة هي الأولى من نوعها، يمكن أن تغيّر بشكل جذري طريقة التعامل مع ارتفاع ضغط الدم، أحد أخطر الأمراض المزمنة في العالم.
وبنيت الأداة، التي أطلق عليها اسم “حاسبة علاج ضغط الدم” على بيانات مأخوذة من نحو 500 تجربة سريرية عشوائية شملت أكثر من 100 ألف مريض.
وتُمكّن الحاسبة الجديدة الأطباء من معرفة التأثير المتوقع لأي دواء أو تركيبة دوائية على خفض ضغط الدم الانقباضي، وذلك بشكل دقيق قائم على الأدلة.
وبحسب الباحثين، فإنها تصنف الأدوية إلى ثلاث مستويات “منخفضة، ومتوسطة، وعالية الكثافة”، حسب مقدار الانخفاض الذي تُحدثه في ضغط الدم، وهي الآلية نفسها التي تستخدم حالياً في تصنيف أدوية خفض الكوليسترول.
وقال المؤلف المشارك في الدراسة، نيلسون وانج، طبيب القلب وزميل الأبحاث في معهد جورج، إن “كل انخفاض بمقدار 1 ملم زئبقي في ضغط الدم الانقباضي يقلل خطر الإصابة بأزمة قلبية أو سكتة دماغية بنسبة 2، لكن المشكلة تكمن في كثرة الأدوية المتاحة وتعدد جرعاتها، إلى جانب أن أغلب المرضى يحتاجون مزيجاً من أكثر من دواء للوصول إلى الهدف العلاجي، ما يجعل الخيارات العلاجية بالآلاف دون طريقة سهلة لمعرفة الأنسب”.
تقلب ضغط الدم
وهنا تبرز أهمية الأداة الجديدة، إذ تقدم تقديراً متوسطاً لتأثير العلاج مستنداً إلى مئات الدراسات، ما يمنح الأطباء وسيلة عملية لاختيار الخطة الأمثل لكل مريض بحسب مقدار الخفض المطلوب في ضغط الدم.
وعادة ما يعتمد الأطباء على قياس الضغط بشكل مباشر لتقييم فاعلية العلاج، لكن وانج أشار إلى أن هذه الطريقة غير دقيقة، لأن ضغط الدم يتقلب بشكل مستمر من لحظة إلى أخرى، ومن يوم لآخر، بل ويتأثر بالفصول، مضيفاً أن “هذه التقلبات العشوائية قد تكون مساوية أو حتى أكبر من التغييرات الناتجة عن العلاج نفسه. أضف إلى ذلك أن طرق القياس نفسها قد تكون غير مثالية، ما يجعل الاعتماد على القراءة المباشرة مضللاً في كثير من الأحيان”.
وأكد الباحثون أن ارتفاع ضغط الدم هو أكثر سبب شائع لزيارة الأطباء حول العالم، ورغم ذلك لم يكن هناك حتى الآن مصدر شامل وحديث يوضح مدى فاعلية الأدوية المختلفة خاصة عند دمجها أو استخدامها بجرعات متنوعة.
وقال المؤلف المشارك في الدراسة، أنطوني رودجرز، الباحث في معهد جورج: “باستخدام الحاسبة الجديدة، يمكن للطبيب أن يحدد مقدار الخفض المطلوب، ثم يختار الخطة المثالية لتحقيق ذلك بناءً على الأدلة، ويفضل أن يبدأ العلاج في وقت أبكر بدلاً من اتباع نهج ابدأ بجرعة صغيرة، ثم ارفع تدريجياً وقس النتائج، الأمر الذي يترك مساحة كبيرة للخطأ والتأخير”.
ويخطط الفريق البحثي لإجراء تجارب سريرية جديدة لاختبار الأداة عملياً، حيث يتم اختيار الأدوية للمريض بناء على مقدار الخفض المطلوب في ضغط الدم، وفقاً للحاسبة.
ارتفاع ضغط الدم يُعرف باسم “القاتل الصامت”، لأنه غالباً لا يسبب أعراضاً واضحة، لكنه يؤدي إلى أزمات قلبية، وسكتات دماغية، أو فشل كلوي.
ويؤثر ضغط الدم على نحو 1.3 مليار شخص حول العالم، ويسبب نحو 10 ملايين وفاة سنوياً، وبحسب الإحصائيات فإن أقل من 20% من المرضى ينجحون في السيطرة على ضغطهم بشكل جيد.
ورأى رودجرز أنه “حتى التحسينات البسيطة في نسب السيطرة سيكون لها أثر هائل، لو استطعنا رفع نسبة المرضى الذين يسيطرون على ضغط الدم من أقل من 20% إلى 50% فقط، يمكننا إنقاذ ملايين الأرواح حول العالم”.
والأداة الجديدة ليست مجرد وسيلة تقنية، بل تُمثّل تحولاً في فلسفة علاج ارتفاع ضغط الدم، من الاعتماد على القياسات المباشرة المتقلبة، إلى اختيار العلاج بناء على أدلة علمية واسعة النطاق.
وإذا أثبتت الأداة فاعليتها في التجارب المقبلة، فقد تفتح الباب أمام حقبة جديدة من العلاج الشخصي لارتفاع ضغط الدم، بما يقلل من عبء هذا المرض العالمي.