اخبار تركيا

تناول مقال للكاتب والإعلامي التركي إبراهيم قاراغول، المشهد الذي خرج من قمة واشنطن بوصفه علامة فارقة على انهيار أوروبا وتآكل نفوذها، حيث ظهر القادة الأوروبيون في موقف مهين أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في صورة عكست العجز والانكسار.
ويربط الكاتب في مقاله بصحيفة يني شفق هذا المشهد بتاريخ أوروبا الاستعماري الممتد منذ خمسة قرون، مبينًا أنها بدأت بالإبادات الجماعية وتنتهي اليوم بالتواطؤ مع الولايات المتحدة وإسرائيل في إبادة المسلمين في غزة.
ويرى أن هذه القمة ليست دليلًا على وحدة الغرب كما يروَّج، بل على تفككه واحتضاره، وأن إسرائيل تمثل خلاصة الشر الغربي في مرحلته الأخيرة، بينما الحقيقة التي تفرض نفسها هي أن محور الإنسانية والقيم الإلهية هو البديل عن مشروع الغرب المأزوم.
وفيما يلي نص المقال:

الصورة التي خرجت من قمة واشنطن بعد قمة ألاسكا، كانت أهم بكثير من مشاهد محادثات السلام في أوكرانيا. لقد عبّرت عن تحولات كبرى على مستوى العالم، تحولات لا تروي قصة سلام، بل بالأحرى تحكي عن “انهيار” شامل.

القادة الأوروبيون ظهروا مصطفّين أمام ترامب، يدونون ما يُملى عليهم. كانت وجوههم عابسة، يتظاهرون بالتماسك وهم في حالة إحراج شديد، يتنافسون على إعطاء “صورة جيدة” تنقذهم من المشهد المذل.

ولكن بدافع الخوف من روسيا، جلس الأوروبيون أمام ترامب بصورة مهينة لشعوبهم، صورة ستُسجَّل في أسوأ صفحات تاريخهم: صورة الانكسار، العجز، والإنهاك.

أوروبا المهانة، العاجزة، المنهكة: أين “كبرياء الأمم العظمى”؟

القادة الذين طالما تبجحوا بـ “كبرياء الأمم الأوروبية العظمى” لم يكونوا أكثر من حضور عادي في اجتماع تقييمي يومي لمجلس وزراء ترامب. ومن السهل أن نتخيل حجم الغضب الشعبي داخل بلدانهم عند مشاهدة هذه اللقطات. فإذا كان مجرد الخوف من روسيا قد أوصلهم إلى هذا الحد من الانكسار، فما الذي سيأتي لاحقًا؟

لقد أهان هؤلاء قادتهم شعوبهم وأوطانهم. هذه الصورة تمثل دليلاً على نهاية أوروبا، على استنزافها، على أزمة قيادتها، وعلى بلوغها مرحلة “التفكك الكبير”. وهي رسالة واضحة بأن أوروبا في القرن الحادي والعشرين لن تستطيع تقديم أي دور يُذكر خارج حسابات “البحث عن مصلحة قومية ضيقة”.

لم يتركوا أمة إلا وأراقوا دماءها… مدن أوروبا المترفة بُنيت على الدماء

منذ القرن الخامس عشر، ومع ما سُمّي بـ “الاكتشافات الجغرافية”، بدأ الأوروبيون مسيرة استعمارية دموية. خمسمئة عام من السلب والنهب والقتل والدمار. لم يتركوا شعبًا إلا وأراقوا دمه، ولم يتركوا أرضًا إلا ونهبوها، ولم يتركوا عقلًا إلا وأفسدوه.

أسسوا مدنهم المترفة على دماء شعوب الأرض. “الحضارة الغربية” التي يتفاخرون بها لم تُبنَ إلا على المجازر والخراب والإبادة. ومنذ فجر التاريخ، لم تعرف الإنسانية مجتمعًا أراق من الدماء وأهلك الشعوب كما فعل الأوروبيون.

بدأوا كقوى استعمارية… وينتهون كدول مستعمَرة

هذه الصورة تعلن نهاية تاريخ استمر خمسة قرون. الأوروبيون الذين بدأوا كقوى استعمارية، ينتهون اليوم كدول فاقدة السيادة. لقد وصلوا إلى “نهاية الطريق” ومرحلة الانهيار.

صحيح أن الولايات المتحدة ورثت بعد الخمسينيات زعامة الغرب الاستعماري، لكن اليوم لم يتبقَّ لها أي شريك حقيقي سوى إسرائيل وبعض الدول الصغيرة. أما بقية العالم، فهو ينتظر ضعفها وانكسارها.

لم يعد هناك شيء اسمه “الجبهة الغربية”.. أما “سلام الغرب” فلم يكن موجودًا أصلًا

يحاول بعضهم تقديم صورة قمة واشنطن باعتبارها “وحدة الغرب” أو “جبهة الغرب”، لكن الحقيقة غير ذلك. فحتى منذ الحروب الصليبية، لم يكن الغرب سوى تجمعٍ قائم على الخوف والمصلحة. وها نحن اليوم نرى كيف يتبدد وهم “سلام الغرب”؛ لم يكن يومًا موجودًا، ولن يكون.

لقد بدأت حقبة جديدة، حيث لا “جبهة غربية” ولا “سلام غربي”. ومن يراقب سلوك أوروبا حين أُخرجت من أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط، يعرف أن الغرب بلا مصادر استعمارية سيتحول إلى “لا شيء”.

بدأوا بالإبادة… وينهون تاريخهم بها: “إبادة المسلمين” في جيناتهم السياسية

مع تضييق منابع الهيمنة على الغرب وصعود قوى العالم غير الغربي، سنشهد صراعات جديدة داخل أوروبا نفسها. الحربان العالميتان كانتا “حروبًا أوروبية داخلية”، والحرب الثالثة إذا اندلعت فلن تختلف.

القادة الأوروبيون الذين ظهروا في البيت الأبيض لم يُنجزوا شيئًا سوى التواطؤ مع إسرائيل في جريمة إبادة جديدة. دعموا إسرائيل عسكريًا وسياسيًا، وشاركوا في جريمة كبرى ضد الإنسانية.

الحقيقة واضحة: الغرب الذي بدأ تاريخه بالإبادات الجماعية ينهيه بالطريقة نفسها. فالإبادة جزء من جيناته السياسية، وجزء من “الهوية الغربية”. غزة اليوم هي الشاهد. إبادة المسلمين هناك ليست سوى الانعكاس الأخير لهذا “الجين الوراثي الدموي”.

إسرائيل: خلاصة خمسة قرون من الشر

لكن هذه المرة، الإبادة تحدث في زمن تآكل فيه النفوذ الغربي. وبالتالي ستكون نتائجها مدمّرة على أنظمة الغرب ومجتمعاته. إنها ستُعجّل بانهيار منظومته السياسية والاجتماعية.

نرى بوضوح أن إسرائيل باتت تمثل خلاصة خمسة قرون من الشر الغربي. من ينظر إلى غزة بعيون الغرب يخاطر بخسارة إنسانيته، بخسارة المستقبل، وبالغياب عن أهم فصل من تاريخ القرن الحادي والعشرين.

لا سياسة بلا إنسان… المحور هو الإنسان، المحور هو الأنبياء

إن ما يحدث في غزة لا يمكن النظر إليه بمنطق المصالح الوطنية أو الحسابات الجيوسياسية أو معايير الأمن والطاقة. هذه مأساة تُلزمنا بالنظر إليها من منظور إنساني، من منظور الأنبياء، من منظور القيم التي أنزلها الله.

لذلك نقول: ما يجري ليس حربًا عادية، بل هجوم شامل على البشرية. إنه “حرب صليبية” جديدة، وحشية تهاجم الحضارة والتاريخ والإنسان. ليس نزاعًا على أرض أو ردًا على فعل. إنه انحراف أمة بكاملها، ترفع راية “الدولة” لتُشرعن حربها على الوجود الإنساني.

الأرض ليست ملكهم… والإنسانية ليست رهينة لديهم

على الغرب أن يفهم: الأرض ليست ملكه، والإنسانية ليست رهينته. من واجبنا أن نُريه هذا بأقسى صورة ممكنة.

إن أوروبا في ربع القرن الأول من القرن الحادي والعشرين، تكشف نفسها في أبشع صورة: قارة تحتضر، تُغذّي مجازر، وتشارك في إبادة.

ماذا تقول لنا الحقائق التي رُويت منذ أول إنسان؟

لسنا بحاجة إلى “كراهية للغرب” لنقول هذا. لكننا بحاجة إلى مواجهة هذا الإرث الإجرامي وتغييره. إزالة إسرائيل من الخريطة، وسحب القوة من أيدي هؤلاء المجرمين، لم يعد خيارًا بل واجبًا إنسانيًا مشتركًا.

سنقف عند هذا المحور. سننظر من هذه الزاوية. ومن هنا، من هذا الموقف، نصون مستقبل شعوبنا وأوطاننا.

هذه هي الحقيقة التي تنادينا بها كل وصايا الأنبياء، وكل الحقائق التي رافقت مسيرة الإنسان منذ بدايته.

صورة قمة واشنطن لم تكن مجرد لحظة إذلال للقادة الأوروبيين أمام ترامب، بل كانت أيضًا شهادة على تواطئهم مع إسرائيل وأمريكا في مشروع “إبادة المسلمين” الجديد.

شاركها.