في أحد التجمعات العائلية، سألت طفلةٌ والدها وهي تحملُ طبقاً فيه قطعةً من الكيك:

«الماما لا ترضى أنْ آكل قطعة ثانية».

فقال الأب: «يكفي قطعة واحدة يا ابنتي»، لكنها ألحّت مراراً، فتنهّد قائلاً: «اذهبي وتناوليها في المطبخ كي لا تعمل لكِ الماما مشكلة!».

لنتخيل حال الطفلة وهي تأكل الكيك بخوف وهي ترقب نظرة أمها!

يا تُرى كم من المفاهيم تسللت إلى عقلها الصغير لتشكل منهج تفكيرها؟

ومن أهمها: الاختلاف في الرأي مشكلة!

قد يجد الأب بحكم الموقف، أنه مضطر لأن يكون أكثر مرونة، فيمكنه القول مثلاً:

«سنسمح لكِ بقطعة أخرى هذه المرة، كُليها وسوف أتفاهم مع والدتك لاحقاً».

لتتعلّم الطفلة أن الاختلاف يمكن إدارته باحترام، وعبارة «سنسمح» يعني قراراً مشتركاً، كأسلوب عند التباين بدلاً من التعامل مع الأمر بالتهرّب أو الخفاء.

فالمواقف الصغيرة تُبرمج عقول الأطفال، فتصنع لهم سلوكيات تمتد معهم، فقد تتعلم الطفلة أن تتجنب المواجهة بالاختباء، فتكبر بذات الأسلوب، لكن الحياة ليست قطعة كيك سهلة، بل بحاجة لمواجهة واعية وحوار واحترام للاختلاف.

مثال آخر لنتيجة واحدة، حين يبالغ بعض المربّين في حماية أبنائهم بتدخلهم في أدق التفاصيل، كحل شجارٍ بين الإخوة في البيت، أو خلافٍ بسيط في المدرسة، أو منعهم من أي نشاط جديد، إلخ، ظنّاً منهم أن واجبهم هو اتخاذ القرارات عنهم لتوفير الأمان الصحيح لهم، ولكن عند مواجهة العالم، يصطدم الأبناء بصعوباته، فالحياة ليست سهلة «كقطعة الكيك».

هذا النمط من التربية يُعرف بـ«التربية المروحية» Helicopter Parenting، حيث يحلّق الآباء فوق أبنائهم باستمرار كتحليق المروحية فوق الهدف، يراقبونهم بإفراط ويمنعونهم من أي تجربة قد تنطوي على خطأ أو مخاطرة، مما يضعف كفاءتهم الذاتية وإيمانهم بقدراتهم، وبذلك تُسرق منهم فرصة التعلم ومواجهة المواقف بثقة ليكتسبوا نضجاً أكبر.

أتذكّر أن أحد الخبراء الأجانب في لقاء عمل سابق، قال لي: أنه أدرك أن حمايتهم المفرطة لأبنائهم وخوفهم الزائد عليهم جعلهم يفتقرون للمناعة، حتى أصبحوا يصابون في كل سفرٍ بنزلةٍ معوية، وتتحول رحلاتهم السياحية إلى زيارة للعيادات بدلاً من الاستمتاع بالنزهات، فصار السفر مصدر خوف لا متعة.

فأيًّا كان نوع الحماية الزائدة، فهي تحرم الأبناء من تنمية الصلابة النفسية لديهم. والتربية ليست « قطعة كيك»، بل رحلةُ اجتهادٍ دائمةٍ نتعلّم فيها ونعلم أبناءنا، فدورنا ليس أن ننشئ أطفالاً، بل أن نُعدَّ أجيالاً راشدة.

* جمعية البحرين النسائية للتنمية الإنسانية

شاركها.