– محمد كاخي
تتعامل إسرائيل بعد أحداث “7 أكتوبر” بمنطق “الوقاية” مع القضايا الأمنية في المنطقة، الأمر الذي يدفعها إلى المبادرة المطلقة لتصوغ البيئة الأمنية وحدها جنوبي سوريا.
وتقوم هذه المقاربة على انتهاكات متكررة تريدها تل أبيب معيارًا جديدًا للسيطرة، من تضييق على السكان وتنفيذ حملات التفتيش والاعتقال المتكررة، إلى الضربات الجوية وعمليات التوغل، التي كان أحدثها في بلدة بيت جن، والتي قوبلت بمقاومة شعبية مسلحة أسفرت عن سقوط 13 قتيلًا بقصف الجيش الإسرائيلي.
وبالرغم من حديث وتسريبات الإعلام الإسرائيلي عن استعداد روسيا لطرح ملف إعادة انتشار قواتها العسكرية جنوبي سوريا، لا تبدو إسرائيل مهتمة بوجود قوة أخرى قادرة على موازنة سلوكها، بحسب الخبراء، بل تحرص على الحفاظ على هامش واسع يتيح لها التحرك متى شاءت ودون أي التزام سياسي أو تفاوضي.
واقعية إعادة الدوريات
لم تُظهر إسرائيل سابقًا اعتراضًا على نفوذ موسكو في سوريا، وانتشرت القوات الروسية سابقًا ضمن ثماني نقاط عسكرية في منطقة “فض الاشتباك”، على طول الحدود بين الجولان السوري المحتل ومحافظة القنيطرة في تشرين الأول 2024.
وأعادت روسيا طرح فكرة عمل الدوريات الروسية كقوة فصل بين القوات السورية والإسرائيلية على الحكومة السورية خلال الأشهر الماضية، إلا أن الحكومة السورية لم توافق بعد على الطلب الروسي، بحسب ما نشرته هيئة البث الإسرائيلية (كان) في 18 من تشرين الثاني الحالي.
إلا أن هذه التصريحات والتحركات الميدانية ذات الصلة بإعادة نشر الدوريات الروسية في الجنوب السوري، لا تتجاوز كونها بالون اختبار للمواقف التفاوضية للأطراف المعنية بهذا الملف، بحسب الباحث والمحلل السياسي أيمن الدسوقي، الذي يرى أن انتهاكات إسرائيل المتكررة في الجنوب السوري، توحي بحرصها على أخذ زمام المبادرة، والاعتماد على ذراعها العسكرية والأمنية دون الاتكاء على قوة أخرى، لصياغة بيئة أمنية تضمن لها التفوق والهيمنة والمبادرة استراتيجيًا لحماية أمنها ومصالحها.
ولا تبدو إسرائيل متحمسة لنشر الدوريات الروسية في الجنوب السوري، بحسب الدسوقي، خصوصًا إذا تعارضت هذه العملية مع مقاربتها الأمنية، أو حدّت من قدرتها الميدانية على الحركة.
ويرى المحلل السياسي الروسي ديمتري بريجع، أن هذه الدوريات ستبقى محدودة الجدوى ما لم تكن جزءًا من صيغة سورية جديدة تحترم تضحيات الناس، وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية، لا دولة الصفقات الأمنية المؤقتة، ولا يكفي أن تتحرك آليات تحمل العلم الروسي قرب الحدود، ما لم يكن الهدف النهائي هو الوصول إلى وضع يكون فيه الجيش السوري الوطني هو من يحمي الحدود، تحت سلطة سياسية شرعية نابعة من إرادة السوريين.
واعتبر بريجع، في حديث إلى، أن إعادة تسيير الدوريات الروسية اليوم يعكس قبل كل شيء صراعًا على من يمسك بمفاتيح الجنوب السوري، فإسرائيل تحاول فرض وقائع جديدة على الأرض تحت عنوان الأمن والوقاية، وتبحث عن حزام آمن داخل الأراضي السورية من جهة، وموسكو تسعى إلى القول إنها ما زالت موجودة، وقادرة على لعب دور الضامن وضابط الإيقاع، وإن أي ترتيبات في الجنوب تمر من بوابتها من جهة أخرى.
فيما يرى الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” نوار شعبان قباقيبو، أن الثابت الوحيد في التعامل مع الجيش الإسرائيلي أنه لا يوجد أي منطق في تصرفاته، ولا أي واقعية في سلوكه.
الاحتلال الإسرائيلي يريد دائمًا، في ظل أي اتفاق دولي أو محلي يبرمه، أن يحافظ على هامش خاص به لتنفيذ عملياته الأمنية.
نوار شعبان قباقيبو
باحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”
تحجيم الانتهاكات
يكرر المسؤولون الإسرائيليون تصريحاتهم حول بقاء إسرائيل في المناطق التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد، وكان أحدثها تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في 16 من تشرين الثاني، أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في قمة جبل الشيخ وفي المنطقة الأمنية.
ومنذ سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول 2024، أقامت إسرائيل تسع نقاط عسكرية في المنطقة منزوعة السلاح، وتتوغل مدرعات وعربات الجيش الإسرائيلي بشكل شبه يومي في ريف القنيطرة والمناطق الحدودية، إضافة إلى تجريف الغطاء النباتي للمنطقة، ورفع السواتر الترابية والتضييق على السكان ومنعهم من العمل في أراضيهم الزراعية.
الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” نوار شعبان قباقيبو، قال ل، إنه في عهد النظام السابق كانت القوات الروسية تتمركز خلف “خط الفصل 1974″، وكانت تعمل على تثبيت الواقع وتأمين المنطقة عبر دورياتها، لكن إذا أُعيد تمركز هذه النقاط في المواقع نفسها، ستكون داخل منطقة أصبحت ميدان عمليات لإسرائيل، وبالتالي، ما الدور الحقيقي الذي ستؤديه؟
وبما أن الجانب الإسرائيلي يبرع في “الكهانة السياسية”، بحسب قباقيبو، فإذا تم التمركز الروسي، قد تخفف إسرائيل من التوغلات والدوريات، أو لن تقيم الحواجز بين القرى، لكنها لن تتخلى عن المكاسب التي حققتها على الأرض خلال هذا العام، وهذه نقطة واضحة، لأن الجانب الإسرائيلي يبدو واضحًا في تصريحاته، ولا يريد الانسحاب.
ولا يرى قباقيبو أن إعادة تمركز الروس في المنطقة سيؤدي إلى انسحاب إسرائيل، ولكن قد يتم ضبط الانتهاكات الإسرائيلية، ولكن لا يمكن التنبؤ بتصرفات “الاحتلال الإسرائيلي”، خصوصًا بعد أحداث “7 أكتوبر”.
ويرى الباحث السياسي أيمن الدسوقي، أن الاتفاق على تسيير هذه الدوريات من شأنه نزع الذرائع من الجيش الإسرائيلي، وتحييد أثره السلبي ما أمكن في الجنوب، خصوصًا مع استعادة دور روسيا كوسيط وضامن.
براغماتية أمريكية
بحسب الإعلام الإسرائيلي، تفرض الولايات المتحدة الأمريكية حظرًا غير رسمي على هجوم إسرائيل على الأراضي السورية. وفي 20 من تموز الماضي، وبعد قصف الجيش الإسرائيلي مبنى هيئة الأركان السورية بأيام، نقل موقع “أكسيوس” عن ستة مسؤولين أمريكيين، أن القلق يتزايد داخل البيت الأبيض بشأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وسياساته الإقليمية، وقال مسؤول في البيت الأبيض للموقع حينها، إن نتنياهو “يتصرف مثل المجنون، يقصف كل شيء طوال الوقت”، وأضاف، “هذا قد يقوض ما يحاول ترامب القيام به”.
ويبدو واضحًا، بحسب المحلل الروسي ديمتري بريجع، أن أمريكا تتحرك بمنطق براغماتي بحت، فهي تضغط على إسرائيل كي لا تنفلت بضرباتها داخل سوريا إلى درجة تهدد مصالحها الأوسع، وفي الوقت نفسه تفتح نقاشات أمنية حول مواقع وقواعد عسكرية في سوريا وتفاهمات، ما يعني أن واشنطن لا تمانع، مبدئيًا، في بقاء روسيا لاعبًا موجودًا إذا كان ذلك يساعد على ضبط الاشتباك مع إيران ومع القوى الأخرى، لكنها في المقابل لن تقبل بأن يتحول الجنوب إلى ورقة مساومة تستخدمها موسكو في ملفات أوكرانيا والعقوبات والطاقة.
ويرى الباحث والمحلل السياسي أيمن الدسوقي، أن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب معنية بالاستقرار والرفاه الإقليمي في الشرق الأوسط، وهناك سابقة يمكن البناء عليها لجهة قبول الولايات المتحدة دورًا لروسيا في الجنوب ألا وهو اتفاق الجنوب عام 2018، حين استعادت القوات الروسية وقوات النظام السابق مناطق حدودية مع إسرائيل بعد تهجير مقاتلي المعارضة السورية منها، على أن يكون هذا الانتشار وفق الرؤية الأمريكية وبما لا يتعارض مع أمن إسرائيل.
ماذا ستكسب روسيا؟
يرى الباحث والمحلل السياسي أيمن الدسوقي، أن روسيا تجد في الجنوب السوري بوابة لإعادة تموضعها مجددًا في الجغرافيا السورية عقب سقوط نظام الأسد، بما يعزز موقفها التفاوضي أمام الحكومة السورية في ملفات القواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية الروسية.
كما ستحاول روسيا استغلال دور الوساطة الأمنية بين سوريا وإسرائيل في ملفات أخرى، فقد تؤدي هذه الوساطة إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وبالتالي التأثير بشكل غير مباشر على ملف أوكرانيا، وهذا ما تأمله موسكو، وفق الباحث السياسي نوار شعبان قباقيبو.
فيما يرى المحلل الروسي ديمتري بريجع، أن روسيا تنظر إلى الجنوب بوصفه ورقة تأثير على ثلاثة مستويات في آن واحد، أولًا على المستوى الإقليمي تقدم نفسها لإسرائيل وبعض الدول العربية كقوة قادرة على ضبط الحدود والحد من الانفجارات الكبرى، وبذلك تبرر استمرار وجودها العسكري والسياسي.
ثانيًا على المستوى الدولي، تستخدم ملف الجنوب للقول للولايات المتحدة وأوروبا إنها شريك لا يمكن تجاوزه في قضايا الأمن في شرق المتوسط.
ثالثًا في الداخل السوري، تحاول أن تبقي صورة الراعي والضامن في مواجهة انهيار المنظومة القديمة.
مرتبط
المصدر: عنب بلدي
