أمل بنت سيف الحميدية
يُشكِّل التعلّم القائم على الظواهر، أحد أبرز التوجهات التعليمية الحديثة التي تسعى إلى ربط المعرفة بالحياة الحقيقية وتعزيز مهارات القرن الحادي والعشرين لدى المتعلمين. وتكشف التجارب العالمية الرائدة، وخاصة التجربة الفنلندية، أن هذا النهج قادر على إحداث نقلة نوعية في بنية التعليم من خلال الانتقال من التركيز على المواد المنفصلة إلى التعامل مع الظواهر الواقعية المتعددة الجوانب.
ويكتسب هذا التوجّه أهمية متزايدة في الدول التي تعمل على بناء أنظمة تعليمية مستدامة ومواكِبة للتحولات العالمية، ومنها سلطنة عُمان التي تؤكد في رؤيتها لعام 2040 على بناء مُتعلِّم مُبتكِر، قادر على التفكير النقدي والتعاون، ومرتبط بواقع المجتمع واحتياجاته.
ويتميّز هذا النهج بأنّه يضع الظاهرة الحياتية في مركز العملية التعليمية، فيتناولها الطلاب من خلال زوايا معرفية مختلفة تجمع بين العلوم، والرياضيات، والدراسات الاجتماعية، والتكنولوجيا، وغيرها. وتوضح الدراسة التي قدّمها الباحثان Symeonidis و Schwarzفي عام (2016) أن هذا النوع من التعلّم لا يقتصر على دمج المواد، بل يتأسس على رؤية فلسفية مستمدة من المدرسة الظاهراتية التي تركّز على فهم الظواهر كما تُعاش وتُختبر، أي من منظور المتعلم نفسه. هذا الفهم العميق يجعل الطالب شريكًا في بناء المعرفة، لا متلقّيًا لها، وهو ما ينسجم مع مبادئ التعليم الحديثة التي تتبناها عُمان في إطار تطوير التعليم نحو تعلم نشط وتقليل التلقين.
وتبرز الحاجة إلى التعلّم القائم على الظواهر في ظل تعقّد العالم وتشابك قضاياه، إذ لا يمكن تفسير مشكلات مثل تغيّر المناخ أو الأمن الغذائي أو التحوّل الرقمي من خلال مادة واحدة. وتؤكد رؤية “عُمان 2040” ضرورة إعداد أجيال قادرة على التعامل مع قضايا معقدة وصنع قرارات مستندة إلى تحليل متعدد الأبعاد، وهو ما يتيحه هذا النهج عبر تعزيز التفكير التحليلي والقدرة على الربط بين المفاهيم. كما أنه يتماشى مع هدف الاستراتيجية الوطنية للتعليم 2040 الرامي إلى بناء شخصية متعلم يمتلك مهارات البحث والاستقصاء وحل المشكلات.
وترتبط قوة هذا النهج أيضًا بكونه يعتمد على أنشطة ميدانية واستقصائية تمنح المتعلم فرصة للاقتراب من الواقع. ففي دراسة الباحثان Akkas و Ekerالتي نشرت في عام (2021)، يتضح أن التعلّم القائم على الظواهر يرفع مستوى “الوعي الميتامعرفي” لدى الطلاب؛ أي قدرتهم على فهم عمليات تفكيرهم وتنظيمها، وهو ما يعد مهارة أساسية في التعلّم الذاتي المستمر. مثل هذه النتائج تؤكد أن الطلاب الذين يشاركون في مشروعات قائمة على ظواهر واقعية يصبحون أكثر قدرة على التخطيط والتنسيق والتحليل، وهي قدرات محورية في اخبار عمان الوطنية العُمانية لبناء رأس مال بشري واعٍ ومؤهّل.
كما أن التجربة الفنلندية تُظهر كيف يمكن لهذا النهج أن يتحول إلى جزء أصيل من المنهج التعليمي، لا مجرد نشاط جانبي؛ إذ توضح دراسةSchaffar وWolff (2024)أن النظام الفنلندي اعتمد هذا التوجه من خلال إعادة هيكلة المناهج بحيث يشارك الطالب في وحدة تعليمية قائمة على ظاهرة كبرى مرة واحدة على الأقل في كل عام دراسي.
وتكشف هذه المقاربة أن تنفيذ التعلّم القائم على الظواهر يتطلب تخطيطًا تكامليًا بين المعلمين وتطوير أدوات تقييم جديدة تركز على المهارات، وهو ما تحتاجه الأنظمة التعليمية الساعية للتحوّل، بما في ذلك النظام التعليمي في سلطنة عُمان الذي يؤكد في استراتيجيته تطوير قدرات المعلمين وتمكينهم من تطبيق أساليب تعلم نشطة.
ومع أن هذا النهج يحقق نتائج واعدة، إلّا أن تطبيقه يواجه تحديات تتعلق بالتنسيق بين التخصصات، وتدريب المعلمين، وتوفير الوقت والموارد الكافية. ومع ذلك، فإنّ هذه التحديات ليست عائقًا أمام التنفيذ؛ بل هي جزء من مسار التطوير الذي تسعى إليه سلطنة عُمان، خصوصًا وأن رؤية “عُمان 2040” تقوم على بناء منظومة تعليمية مرنة ومبتكرة، قادرة على تبني الممارسات العالمية الرائدة.
وفي الختام، يظهر بوضوح أن التعلّم القائم على الظواهر ليس مجرد أسلوب تعليمي، بل فلسفة متكاملة تُعيد تشكيل بيئة التعلم لتكون أكثر عمقًا وارتباطًا بالواقع. وهذا ما يجعل دمجه في المنظومة التعليمية العُمانية خطوة متقدمة نحو تحقيق غايات رؤية “عُمان 2040” في بناء جيل من المتعلمين القادرين على الإبداع والتفكير والابتكار والمنافسة عالميًا.
** باحثة تربوية
