اخبار تركيا
قدم مقال للكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي، قراءة معمقة في التحول الكبير الذي تشهده الجماعة الإسلامية في باكستان تحت قيادة رئيسها الشاب حافظ نعيم الرحمن، الذي نقل الحركة من خطابها الدعويالأيديولوجي التقليدي إلى مقاربة حضرية أكثر واقعية تركز على الخدمات والحوكمة والبنية التحتية، مستفيداً من خبرته في كراتشي ومن قدرته على تعبئة الشارع. و
يبرز الكاتب أن نعيم يسعى إلى بناء قاعدة شبابية واسعة، وإلى خوض أول محاولة جادة للوصول إلى السلطة عبر خطاب إصلاحي يتجاوز الوعظ إلى إنتاج حلول ملموسة. ويصف الأجواء الحماسية في المؤتمر الضخم الذي أقامته الجماعة، والذي كشف قوة التنظيم وشبكاته الشبابية والنسائية، وسعة حضور فلسطين في وجدانه.
كما يرصد الأبعاد الدولية للمؤتمر عبر مشاركة وفود من مختلف الدول، ما يعكس تنامي طموحات الجماعة وتحوّلها إلى فاعل سياسي إقليمي يتفاعل مع قضايا الأمة، ويبحث عن نظام عالمي أكثر عدالة. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:
منذ تأسيس الجماعة الإسلامية في باكستان على يد أبي الأعلى المودودي عام 1941، ثم تحوّلها إلى حزب سياسي إلى جانب كونها حركة دعوية عام 1956، تمكنت من ترسيخ قوة ثقافية وأيديولوجية وهيمنة فكرية واسعة داخل المجتمع. ولكن عدم تمكن هذه القوة أو المكانة من التحول إلى أصوات انتخابية يشكّل مفارقةً بارزة في تاريخ الجماعة. يتميز حافظ نعيم الرحمن، الذي انتُخب رئيساً للجماعة الإسلامية العام الماضي، بقيادته الشابة والناشطة والكاريزمية، فقد تربى في السياسة الحضرية، على عكس الرؤساء السابقين الذين كان معظمهم تقليديين وذوي أصول ريفية ومن خلفية المدرسة الدينية الكلاسيكية. نعيم، المولود عام 1973، هو مهندس وناشط، ويبدو أنه يمتلك القدرة على خلق ديناميكيات جديدة داخل الحزب.
وسبق له أن ترأس فرع الجماعة في كراتشي واكتسب خبرة في النضال السياسي على مستوى المدينة، وتشير هذه السمة إلى استراتيجية تهدف إلى تعزيز القاعدة الشعبية للجماعة الإسلامية لاسيما في المدن الكبرى. لكن الأهم من ذلك أن الحزب بقيادة نعيم طور خطاباً أكثر تركيزاً على “تغيير النظام”، فعلى سبيل المثال وردت في أحد العناوين الإخبارية عبارة “سيستمر النضال حتى يتغير النظام”. ويُظهر هذا الخطاب أن الجماعة الإسلامية قادرة على اتباع نهج أكثر إصلاحية وفاعلية، فيما يبدو أنه سيفتح قناة جديدة وقوية، لا سيما مع فئة الشباب الذين هم دائماً في صفوف المعارضة ويتطلعون لسماع أفكار جديدة. وذلك لأن نعيم أكثر حزماً وتحدياً، ويستخدم تعبئة الشارع بفاعلية، وقادر على تحويل الأزمات الإعلامية والاجتماعية إلى فرص.
وبما أنه يمتلك خبرة في الهندسة والبنية التحتية الحضرية، يُركز في العديد من تحليلاته على قضايا مثل “الابتكار والبيئة والإدارة الحضرية”، متجاوزًا بذلك الخطاب الديني الأيديولوجي التقليدي للجماعة الإسلامية، ما يجعله يبرز كشخصية تكنوقراطية تُركز على الحلول. وانطلاقًا من النجاح الذي حققه نعيم في كراتشي، تستهدف الجماعة الإسلامية الجماهيرَ الحضرية الشابة عبر خدمات البلدية، والقضايا الحضرية كالنقل والمياه والكهرباء، والنشاط الحضري.
وأتذكّر الانتقادات الذاتية التي قدّمها ممثلو الجماعة الإسلامية الذين تحدثت معهم كثيرًا سابقًا. إذ كانوا يقولون إن الجماعة انشغلت بشرح الأبعاد الدينية للقضايا السياسية الوطنية، ولم تكن لديها سياسة تهدف إلى إنتاج وتقديم حلول ملموسة للمشاكل التي تمس حياة المجتمع بشكل مباشر ولأكثر قضاياه إلحاحًا. ولعلّ السبب أنها لم تكن تطمح فعليًا إلى السلطة حتى الآن، أو أنها حددت لنفسها مهمة مختلفة، لا نعرف. ولكن يبدو أن الجماعة الإسلامية بقيادة نعيم قد تتبنى مهمة بدا أنها أهملتها سابقًا، وربما للمرة الأولى ستخوض حملة حقيقية بهدف الوصول إلى السلطة.
في الحقيقة تتمتع الجماعة بتنظيم قوي وهرمي للغاية. وإن وصول نعيم إلى رئاسة الجماعة لم يكن نتيجة صراع أو منافسة داخلية، بل انتقالا سلسا داخل الجماعة، وهو ما يُظهر قدرتها على مراقبة وضعها الداخلي واتخاذ القرارات اللازمة لإجراء الإصلاحات عند الضرورة. والأهم من ذلك أن لفرع الشباب في الجماعة حضورًا قويًا ونشطًا، ويضمن تنشئة أجيال جديدة تتبنى جيدًا فلسفة الجماعة وقيمها.
لا أستطيع إجراء مقارنة مباشرة لهذا المؤتمر الأول للجماعة تحت قيادة نعيم مع المؤتمرات السابقة، لأني لم أحضر أيّاً منها من قبل، فقد ساد المؤتمر جو مفعم بالحماس بشكل غير مسبوق، حيث خيم آلاف الأعضاء القادمين من جميع أنحاء باكستان في ساحة منارة باكستان وفي فناء مسجد “باد شاهي”، وحوّلت المشاركة الحماسية للرجال والنساء والأطفال المؤتمر إلى ما يشبه الاحتفال.
ونصبت منصة المؤتمر مقابل ساحة “منارة باكستان”، حيث احتضنت شخصيات مدعوة من باكستان ومختلف دول العالم. وبفضل الشاشات الضخمة والمسرح المهيأ والنظام الصوتي الرفيع، احتشد عشرات الآلاف من أعضاء الجماعة في تجمع رائع بالغ التنظيم. ويجلس المشاركون على الأرض، متابعين الكلمات التي تبدأ قبيل المساء وتمتدّ حتى ساعات متأخرة من الليل بتركيزٍ لافت وصبرٍ واضح دون أن يتشتّت انتباههم، الأمر الذي يمنح المؤتمر صفة المؤتمر الفكري الحقيقي. ومن اللافت حقًا أن هذا العدد الكبير من الناس يستمع لساعات طويلة باهتمام بالغ دون أن يتفرقوا. في المقابل تذكرت مؤتمراتنا التي تفرغ قاعاتها بعد خطاب الرئيس العام، وشعرت بفارق كبير.
كما يلفت الانتباه وجود عدد كبير من الشباب المتطوعين الذين يقومون بمهام تنظيم المؤتمر، بأسلوب ودي، ولطيف، وذكي، وفعّال إلى أقصى حد. وسبق أن شاركتُ ملاحظة وانطباعًا مشابهًا عن شباب الجماعة الإسلامية في بنغلاديش. فهم أيضا يتميزون بذكاءٍ فائق، وودودون، ومتطوعون، ونشطون بشكل لا يصدق. وهناك من يُكلَّف للاهتمام بكل وفد من وفود الدول، بشرط أن يكون ملمًا بلغتهم. وقد تم تكليف شباب يتقنون اللغة التركية ببراعة للوفد التركي. مثل محمد دايم ومحمد بابور عزيز، اللذين تعلّما التركية بطلاقة دون أن يأتيا إلى تركيا قط. وقد تقاطعت طرقهم بطريقة ما مع مؤسسات مثل وقف المعارف، وهيئة الإغاثة الإنسانية التركية، ومعهد يونس أمره.
لدى غالبية الشعب الباكستاني اهتمام وحب عميقان لتركيا نابعان من التاريخ المشترك. هذا الود يولد دائماً اهتماماً باللغة التركية وتركيا. ولكن الأهم من ذلك، أن معظم الشباب هنا، كما هو الحال في بنغلاديش، يقولون إن المسلسلات التاريخية التركية في السنوات الأخيرة مثل “قيامة أرطغرل”، و”المؤسس عثمان”، و”السلاجقة”، ومؤخراً “السلطان محمد الفاتح”، قد أحيت لديهم رابطًا مختلفًا تمامًا مع تركيا. وتمتلك الجماعة تنظيماً شبابياً ونسائياً قوياً جداً ونشطاً. وقد ملأت النساء الأماكن المخصصة لهن في الساحة وتابعن الخطابات باهتمام كبير.
وإلى جانب الأعلام الباكستانية وصور زعيم الجماعة الإسلامية حافظ أمين الرحمن، تتصدّر أعلام فلسطين المشهد بأعدادٍ ضخمة. وحين يتحدث الممثلون الدوليون المدعوون، لا يخلو أي خطابٍ من الإشارة إلى غزة. في تلك اللحظات، تهتز الساحة بحماسة شديدة. وكان من بين المتحدثين في اليوم الأول رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الدكتور علي القره داغي، والبروفيسور سامي العريان من مركز الدراسات الإسلامية والشئون الدولية (CIGA) بجامعة صباح الدين الزعيم في إسطنبول، ورئيس مؤسسة قرطبة البريطانية أنس التكريتي، ولاعب كرة القدم البرازيلي والناشط البارز في أسطول الصمود تياغو أفيلا، والصحفية والناشطة البريطانية التي اعتنقت الإسلام لورين بوث (التي اشتهرت بكونها شقيقة زوجة توني بلير)، والرئيس العام لحزب السعادة محمود أريكان، وأنا كذلك.
وفي اليوم التالي، وصل رئيس حزب الرفاه من جديد فاتح أربكان إلى الاجتماع المنعقد بنفس الطريقة خلال النهار، وحظي بفرصة مخاطبة أعضاء الجماعة الإسلامية. وقد ركّز جميع المتحدثين على وجه الخصوص على الدعم الذي تقدمه باكستان كدولة لغزة، وعلى ضرورة جعل هذا الدعم أكثر فاعلية على مستوى الأمة وسبل تعزيزه. وبذلك جرى التأكيد بقوة على ضرورة معالجة الخلل الناتج عن تشتت ملياري مسلم حول العالم، وما ينتج عنه من ظلم.
وفي اليوم الثالث للمؤتمر، نظمت قيادة الجماعة الإسلامية، بالتعاون مع المشاركين الدوليين الذين تجاوز عددهم المائة، اجتماع طاولة مستديرة تحت عنوان: “البحث عن نظام عالمي أكثر عدالة”. وسنوافيكم لاحقاً بملاحظاتنا حول هذا الاجتماع.
