أحمد عسيلي
شهد الساحل السوري الأسبوع الماضي حدثًا غير مألوف في ذاكرة السوريين المعاصرة، خروج مجموعات من أبناء الطائفة العلوية في مظاهرات متفرقة داخل بعض الساحات والمدن الصغيرة، دون أن يترافق المشهد مع إطلاق نار أو سقوط قتلى أو استخدام للعنف المفرط كما اعتدنا في سنوات سابقة (وهذه هي الحالة الطبيعية)، اقتصر الأمر على تدافع محدود ومناوشات لفظية وإصابات طفيفة، لكن الرسالة الأساسية كانت واضحة: للمرة الأولى منذ زمن طويل، يستطيع جزء من السوريين أن ينزلوا إلى الشارع بمظاهرات مضادة للسلطة، و بحماية أجهزة الدولة، دون الخوف من أن يُقتلوا أمام الكاميرات، هذا التطور دفع كثيرين لاستعادة بدايات الثورة السورية، حين كان الموت جزءًا من المشهد نفسه، لا مجرد احتمال.
لكن الأهم من الحدث، كان الطريقة التي تلقى بها السوريون هذا الخروج، وخصوصًا في البيئات المؤيدة للسلطة الحالية، فعلى خلاف السنوات السابقة التي شهدت خطابًا دمويًا مباشرًا ضد أي تحرك شعبي، بدا أن جزءًا كبيرًا من المؤيدين ركّز هذه المرة على نبذ العنف واحترام حق التظاهر، حتى عندما وُجهت اتهامات سياسية تقليدية للمتظاهرين، اختفت تقريبًا الدعوات التي اعتاد السوريون سماعها: لا حديث عن “السحل”، ولا أمنيات بعودة البراميل المتفجرة، ولا تحريض مفتوح على القتل، بقيت الانتقادات ضمن حدود الاختلاف السياسي، لا ضمن منطق الإلغاء والإبادة.
هذا التحول اللغوي ليس تفصيلًا، إنه دليل على أن لغة العنف تراجعت إلى الخلف لمصلحة مفردات أكثر نضجًا، وهذا ما لم يكن متخيّلًا قبل أعوام قليلة فقط، حتى حين ارتبطت هذه المظاهرات بدعوة الشيخ غزال غزال المعروف بقربه من رموز النظام السابق، بقيت الاتهامات في إطار الشك السياسي، لا في إطار تخوين وجودي شامل.
أما التحول الثاني، وهو الأعمق والأهم، فيتعلق بتركيبة العقلية السياسية السورية نفسها، لطالما قامت السياسة في منطقتنا على ما سمّاه ابن خلدون “عقلية العصبية”، الانتماء لشخص، لطوطم، لرمز يتجسّد فيه الولاء وتُختزل فيه الفكرة، لم نصل بعد إلى مرحلة يمكن فيها الدفاع عن قيمة أو مبدأ بمعزل عن الشخص الذي يمثّله، هكذا جرى بناء السياسة العربية لعقود، وهكذا تشكّلت معظم الانتماءات الجماعية.
لكن ما حدث هذا الأسبوع يوحي بأن بذورًا جديدة بدأت بالظهور، بذور ولاء لمبدأ، لا لشخص ، لقيمة سياسية، لا لزعيم ، لحق في التظاهر، لا لشيخ أو قائد، هذا ما تحدث عنه جان توشار في كتابه المهم “تاريخ الأفكار السياسية” عند قراءته للديمقراطية الأثينية: الانتقال من عصبية الشخص إلى عصبية الفكرة، من تمجيد الفرد إلى التمسك بالقيم المشتركة التي تنظم حياة الجميع، بدا هذا التحول واضحًا في النقاشات التي دارت داخل المجتمعات، حيث باتت شرعية الفكرة لا الشخص هي معيار الحكم على أي موقف، أوضح مشهد عليها، كان تباهي بعض مؤيدي السلطة الحالية حتى الأشد تطرفًا للرئيس الشرع، بخروج مظاهرات تندد بالرئيس نفسه وتصفه بـ”الإرهابي”، دون أن تتعرض لأي هجوم، هذه المباهاة تدل على صعود أهمية فكرة الحق بالاختلاف عن رمزية الشخص نفسه، تغير أشبه بالبذرة التي ما زالت بحاجة لرعاية فائقة كي تنضج وتحقق هذا التحول المهم والحقيقي في نقل العصبية تلك، لكن يجب أن نعيها ونعي تحولاتها جيدًا كي نستطيع فعلًا إنضاجها.
أما النقطة الثالثة فهي ما ظهر من خلافات داخل الشارع السوري نفسه، وداخل كل معسكر على حدة، فبعد المظاهرات الأولى، خرجت مجموعة صغيرة من الشباب السنّي المتطرف لتطلق شتائم طائفية بغيضة، لكن اللافت أن هذه المجموعة لم تحظَ بأي قبول اجتماعي، بل واجهت إسكاتًا من الأمن نفسه، في المقابل، خرج الشارع السنّي في مظاهرات واسعة رافعة شعارًا واحدًا: “واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد”. هذه المظاهرات ضمّت مختلف الأعمار والطبقات، وحملت رسالة واضحة بأن الوطنية ليست ملكًا لفئة دون أخرى، وأن الرد على التطرف يأتي من المجتمع نفسه.
وفي داخل البيئة العلوية نفسها، ظهر تيار أيضا أكثر نضجًا: شخصيات محلية وفعاليات اجتماعية أعلنت صراحة رفضها لخطاب غزال غزال، مؤكدة أنه لا يملك أي شرعية ليتحدث باسم الطائفة، وأن زمن “الممثل المفروض” قد انتهى، هذا الصوت حاول أن يوازن بين الواقع المؤلم الذي يعيشه العلويون اليوم من مضايقات قد تصل في بعض الحالات إلى جرائم، وبين الحاجة إلى ألا يجري احتكار صوتهم من أي جهة، أو تحويل معاناتهم إلى أداة في يد أي فرد أو جهة سياسية، كما أكدت هذه الفعاليات أن حماية العلويين هي أولًا مسؤولية الدولة، باعتبارهم مواطنين يعيشون على أرضهم، وهذا أيضًا تحول ممكن العمل عليه لتشكيل تيارات سياسية عابرة للطوائف تكسر حدة الاصطفاف الحاصل حاليًا.
السلم الأهلي لا يتحقق فقط بالأمن، بل أيضًا عبر دور اجتماعي حقيقي يعالج الجراح القديمة ويعيد بناء الثقة مع باقي السوريين، فالتاريخ السوري مثقل بالندوب التي تحتاج إلى مداواة، لا إلى إنكار أو استغلال.
في المحصلة، ما حدث هذا الأسبوع لم يكن مجرد مظاهرات، بل اختبار صغير لوعي جديد يتشكّل داخل المجتمع السوري: وعي يرفض العنف، يعيد الاعتبار للفكرة بدل الشخص، ويكشف أن الشارع، وليس الأفراد، هو المعيار الحقيقي لاتجاه البلاد.
مرتبط
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
