اخبار تركيا
استعرض مقال للكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي، قراءة تحليلية للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نهاية عام 2025، كاشفًا التناقض بين المظهر التوافقي والتوتر الحقيقي الذي طبع العلاقة بين الطرفين.
فبينما بدا ترامب داعمًا لنتنياهو في العلن، حملت تصريحاته رسائل ضغط واضحة، خصوصًا بشأن غزة والضفة الغربية وسوريا، إلى جانب إشادته اللافتة بأردوغان، ما شكّل إحراجًا سياسيًا مباشرًا لنتنياهو. حسبما ذكر أقطاي في مقاله بصحيفة يني شفق.
كما ناقش الكاتب حدود النفوذ الإسرائيلي على القرار الأمريكي، ويفكك أسطورة خضوع ترامب لنتنياهو أو للموساد، ليخلص إلى أن موازين الحاجة باتت تميل لصالح ترامب لا العكس. وختم بربط المشهد السياسي بالبعد الإنساني والأخلاقي. وفيما يلي نص المقال:
في الأيام الأخيرة من عام 2025، يسعى الجميع لاختتام العام بحصيلة رابحة؛ وكأنّ كلّ طرف يقيس نجاحه بمقدار ما يستطيع اقتطاعه من الرصيد القائم. وفي لقاء نتنياهو مع ترامب، يلوح قدرٌ من التوتّر والاستعجال، وكأن ترامب يلهث ليضيف ثماني اتفاقيات سلام أخرى إلى الثماني التي حققها خلال العام. غير أنّ عدد الدول التي تخوض حروبًا في العالم ليس بهذا القدر، ولعلّه يحاول استعراض قدرته الإبداعية على التنبؤ بالحروب المستقبلية ومنعها. لم يتحقّق هدفه هذا العام، لكن ربما يفوز بجائزة نوبل العام المقبل. ومن عساه أحقّ بها منه؟ مع أنّه كان يقول الأمر ذاته العام الماضي، غير أنّ امرأةً مجهولة الاسم آنذاك ظهرت فجأة وخطفت الجائزة من بين يديه، رغم كلّ جهوده.
وعندما استضاف ترامب نتنياهو في البيت الأبيض، ووقفا معًا أمام الكاميرات في ختام اللقاء، كان الجميع متلهفا لسماع ما يريد سماعه. غير أنّ ترامب، بأسلوبه المعتاد، أدلى بتصريحات مبهمة أسعدت الجميع لكنها لم تُلبِّ توقعات أحد.
ووفقاً لصحيفة “هآرتس”، بدت تصريحات ترامب وكأنها نص صاغه نتنياهو بنفسه، ما يعني حصول نتنياهو على دعم واضح وصريح من ترامب. وأشارت الصحيفة إلى أنه رغم التسريبات التي تتحدث عن نفاد صبر الجانب الأمريكي في الكواليس، إلا أن تصريحات ترامب بدت متوافقة إلى حد كبير مع مواقف نتنياهو.
وقد تجلى هذا التوافق في: تجنب تحديد جدول زمني ملزم للانتقال إلى مرحلة جديدة من وقف إطلاق النار في غزة، وعدم ممارسة أي ضغوط علنية على الحكومة الإسرائيلية، وفي التلميحات بأن الولايات المتحدة مستعدة للتدخل العسكري إلى جانب إسرائيل في حال استأنفت إيران برنامجها النووي.
كما تطرق ترامب إلى إمكانية إصدار عفوٍ رئاسي عن نتنياهو في قضايا الفساد المرفوعة ضده داخل إسرائيل. وقد أثار هذا التصريح ردود فعل واسعة، واعتُبر تدخّلًا غير مسبوق في القضاء الإسرائيلي، ما دفع الرئيس الإسرائيلي “إسحاق هرتسوغ” إلى المسارعة بنفي وجود أي تواصل مباشر مع ترامب بخصوص هذا الملف.
غير أن منصات إعلامية أخرى شدّدت على أنّ ترامب، وفي الخطاب ذاته، وجّه إلى نتنياهو كلامًا بأسلوب أشبه بأمرٍ: “غيّر سياستك تجاه الضفة الغربية”. وتأتي هذه الكلمات بمثابة تحذير علني لنتنياهو، في سياق تقييم إدارة ترامب بأن التصعيد المتزايد في الضفة سيعرقل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في غزة. ويبدو أنّ ترامب بات على دراية تامة بكيفية انعكاس سياسات إسرائيل العدوانية والتوسعية على صورة الولايات المتحدة داخليًا، ويرى أنها باتت تلحق ضرراً بالغاً به وببلاده وبحزبه على حد سواء.
أما بالنسبة للذين يعتقدون أن خيوط ترامب بيد “الموساد” وبالتالي بيد نتنياهو بسبب قضية “إبستين”، فإن تصريحات ترامب في المؤتمر الصحفي تستدعي مزيدًا من التوضيح من منظورهم؛ إذ يبدو جلياً أن ترامب لا يعتبر نفسه “رهينة” لدى نتنياهو بسبب تلك القضية، وربما لا يوليها القدر الذي نتصوره، من الأهمية، أو أنه لا يؤمن بقدرة إسرائيل على التحكم في مجريات هذا الملف إلى هذا الحد.
فخلافاً لتقرير صحيفة “هآرتس”، قال ترامب الكثير من الأشياء التي لم يكن نتنياهو يرغب في سماعها على الإطلاق. فبينما كان نتنياهو يريد الشكوى من أردوغان، عاد ترامب مراراً وتكراراً للإشادة بأردوغان وبقيادته وخبرته ونجاحه في المساهمة بتحرير في سوريا. ومن الواضح تماماً أنه من المستحيل على نتنياهو أن يتقبل فكرة أن سوريا قد “نَجت” أو “تحررت” من المنظور الإسرائيلي؛ فالمعنى الذي يضفيه ترامب على الإطاحة بالأسد في سوريا يختلف جذرياً عما يراه نتنياهو أو إسرائيل.
وعلى مستوى الخطاب الدولي الرسمي والواقع الإنساني الراهن، يرى ترامب أن التطورات في سوريا تمثل “خلاصاً” لشعبٍ من قبضة ديكتاتور ظالم، ومن نظام قاتل كان مصنعاً للإرهاب والمخدرات وعدم الاستقرار. وهو في هذا الصدد يثمن دور أردوغان، ولا يتوانى عن التعبير عن هذا التقدير بوضوح كلّما سنحت له الفرصة.
ومن الجليّ أنّ هناك فارقًا واضحًا بين ترامب ونتنياهو. غير أنّ تحويل هذا الفارق إلى نتائج إيجابيّة لا يحدث تلقائيًا. ففي المرحلة الراهنة، تبدو حاجة نتنياهو إلى ترامب أكبر بكثير من حاجة ترامب إلى نتنياهو، بل وتزداد هذه الحاجة لإسرائيل نفسها. وليس على الصعيد الدولي فحسب، بل إنّ حاجته إليه في سياسته الداخلية تدفعه على ما يبدو، إلى الإصغاء إلى كثيرٍ من الأمور التي لا يرغب في سماعها من ترامب.
ويقول ترامب لنتنياهو الذي يرى في النظام الجديد في سوريا تهديداً له إن الشرع قائد قوي وجدير بالثقة. ورغم أن هذا هو آخر ما قد يرغب نتنياهو في سماعه، إلا أن ترامب قاله بلا تردد، بل وأردف بضرورة أن تحافظ إسرائيل على علاقات جيدة مع سوريا؛ وبذلك يكون قد واجهه بعدوانيته من جهة، واقترح عليه سياسة جديدة من جهة أخرى. وإذا كنّا نعرف إسرائيل ولو قليلًا، فإن هذا أمر لا يمكنها قبوله، وربما يكون، كعادتها، إقرارًا شكليًا تُظهر قبوله، فيما تخطّط في نهاية المطاف لانتهاكه. ذلك أن نتنياهو لا يرى في “الشرع” ملامح مختلفة عن المقاومة الفلسطينية، ورؤيته هذه ليست خاطئة.
بيد أن اللحظة التي رفع فيها ترامب سقف الإحراج لنتنياهو خلال المؤتمر الصحفي، كانت برأيي حين عبر عن آرائه ونظرته لأردوغان، محاولاً إشراك نتنياهو فيها قسراً، حيث قال: “أردوغان صديقٌ جيدٌ لي. أكنّ له كل الاحترام. كما يكنّ له بيبي ( بنيامين نتنياهو) كل الاحترام”.”. لقد كان ترامب يفرض على نتنياهو أمراً واقعاً؛ فماذا عساه أن يقول ؟ هو بالتأكيد لا يحب أردوغان، ولا يمكنه ذلك، ولن يفعل.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن تصريح ترامب بإمكانية بيع طائرات F35 لتركيا، وضع نتنياهو أيضًا في موقف حرج للغاية تجاه اليونان وإدارة قبرص الرومية، اللتين كانتا قد وثقتا به قبل يومين فقط.
قد تنسج صحيفة “هآرتس” أحلاماً وردية لنتنياهو، لكن أن يُخاطب الأخير بعبارة “نتنياهو يحب أردوغان” دون أن يجرؤ على الاعتراض، فهذا بحد ذاته “كابوس” يختتم به عامه. عسى أن تكون صورة أردوغان حاضرة في كوابيس نتنياهو، وأن يُصبح أردوغان وما يمثله من عدالة، كابوسًا لإسرائيل في عام 2026.
تعزية: سلام على أبي عبيدة (حذيفة سمير الكحلوت) الذي انضم إلى قافلة الشهداء. لقد أصبحت قافلة الشهداء اليوم أكثر حياةً، وأكثر حريةً، وأكثر نورًا. لقد كان شخصيةً تغذّت على تعاليم القرآن، وسار في الطريق الذي أناره له، فباع متاع الدنيا ونفسه وروحه بصفقة رابحة في سبيل الله. بعد استشهاده، لم أملّ من تأمل وجهه المنشرح؛ يا له من وجه نوراني مبارك يحمل في ملامحه آلاف المعاني. نسأل الله أن يجعله في صحبة ملائكته، وجوار أنبيائه.
