اخبار تركيا

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القرن الأفريقي، تبرز أرض الصومال كأحدث ساحات التنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل وتركيا.

فخطوة تل أبيب بالاعتراف بالإقليم الانفصالي لا تبدو مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل تأتي في سياق أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، عند ملتقى البحر الأحمر وخليج عدن وبوابة العبور إلى أفريقيا.

ووفقا لتقرير نشرته شبكة الجزيرة القطرية، يرى خبراء أن خطوة الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرضالصومالالانفصالي كدولة مستقلة ذات سيادة تمثل محاولة جريئة لإعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة القرن الأفريقيوالبحر الأحمر.

وذكرت الجزيرة أن الاعتراففجّر أزمة جيوسياسية جديدة أثارت إدانة واسعة، ليس فقط من دولة الصومال المعنية مباشرة، بل أيضا من معظم الأطراف الإقليمية والمؤسسات والمنظمات الأممية والدولية.

ودقت خطوة رئيس الوزراء الإسرائيليبنيامين نتنياهوالمطلوب لدىالمحكمة الجنائية الدوليةناقوس خطر ولفتت انتباه القوى الإقليمية والدولية إلى مدى خطورتها وسوء تداعياتها على الاستقرار الإقليمي.

واستعرض برنامج “سيناريوهات” على قناة الجزيرة هذه التطورات وتداعياتها المحتملة على المنطقة بأسرها، وسلط الضوء على التساؤلات المحورية التي تشغل المراقبين، وأبرزها:

هل ستنجحإسرائيلفي تحقيق ما تصبو إليه من إيجاد موطئ قدم يوصلها إلى أهدافها في منطقة ذات حساسية جيوسياسية عالية؟

أم أن هذه الخطوة المستفزة قد تدفع قوى إقليمية وازنة فتوحدها لمجابهة تبعات هذا الاعتراف وإفشال مآربه؟

أم أن رفض العالم لها وعدم مؤازرتها وتأييدها من أي دولة أخرى سيفرغها عمليا من مضمونها فلا تعدو أن تكون خطوة شكلية؟

يرى الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور مهند مصطفى أن إسرائيل تسعى إلى إعادة بناء الخريطة الجيوسياسية فيالشرق الأوسط.

وأوضح مصطفى أن ما يحدث الآن هو محاولة إسرائيلية لترجمة تجاوز الخطوط الحمراء من الناحية العسكرية في آخر عامين إلى تجاوز الخطوط الحمراء من الناحيتين الإستراتيجية والسياسية في المنطقة، مشيرا إلى أن هذا يفسر التوقيت الذي اختارته إسرائيل لهذه الخطوة.

وأضاف أن هذه الخطوة تعيد إحياء “مشروعبن غوريون” الذي سُمي في الخمسينيات “مشروع الأطراف”، وهو محاولة بناء مراكز قوة وهيمنة إسرائيلية تحيط بقلب المنطقة العربية.

ولفت مصطفى إلى أن إسرائيل تحاول الآن إعادة بناء وتجديد هذه المنظومة من خلال بناء مراكز قوة وهيمنة إسرائيلية على الأطراف تحيط بقلب المنطقة العربية، مع تحديثات معينة تراعي أن إسرائيل الآن أكثر قوة وأكثر هيمنة من السابق.

بدوره، يرى المحلل السياسي عبد الله راغي أن مآرب إسرائيل من هذه الخطوة مركّبة، موضحا أن هناك بعدا إستراتيجيا ضدإيران، حيث إن الحملات الإسرائيلية والأميركية على أنصار الله (الحوثيون) فياليمنلم تحقق أهدافها، لذلك تريد إسرائيل أن يكون لها موطئ قدم في منطقة البحر الأحمر لخوض صراعاتها المستقبلية مع إيران ومع حلفائها من الأراضي الصومالية.

كما لفت راغي إلى وجود بعد آخر يتمثل في إستراتيجية جديدة ضدتركيا، مشيرا إلى أن أنقرة دخلت إلى أفريقيا من بوابة الصومال، وأن التمركز الأكبر للنفوذ التركي في أفريقيا موجود بالصومال وليبيا.

وأوضح أن تطور العلاقة بين الصومال وتركيا وصل إلى درجة أن الاستثمارات التركية في الصومال بلغت مرحلة التنقيب عن النفط والغاز وتركيب منصات لإطلاق الأقمار الصناعية، إضافة إلى تدريب القوات العسكرية والتعاون الاستخباراتي ونشرالطائرات المسيرةالتركية في الأراضي الصومالية.

في المقابل، حذر الباحث في مؤسسة كارنيجي الدكتور هشام الغنام من أن الدول المتضررة بهذه الخطوة ليست فقط تركيا وإيران، بل هناك أيضا السعودية والدول الخليجية الأخرى، إضافة إلىمصر.

لكن الدكتور الغنام نبه إلى أن ما قام به نتنياهو هو جزء من حملة تسويقية متقنة بتركيزه على ما يسهل بيعه على الغربيين، مثل مواجهة “الإرهاب” أو الحديث عن الديمقراطية، أو أن هذه الخطوة تتماشى مع توسيع نطاق اتفاقات أبراهام لتشمل دولا ذات أغلبية مسلمة خارج الشرق الأوسط.

لكنه أكد أن هذا الاعتراف ليس أمرا جديدا وليس ا حصرا بما حدث في غزة، بل هو جزء من مسار متدرج تعمل عليه إسرائيل منذ سنوات.

من جهتها، لم توفر واشنطن غطاء دوليا داعما للخطوة الإسرائيلية، حيث أشارت الخارجية الأميركية إلى أن سياسة واشنطن التقليدية تدعم الصومال الواحد ولا تغيير فيها حتى الآن، لكنها أشارت إلى وجود ضغوط في الكونغرس للاعتراف بأرض الصومال، مما يفتح الباب أمام احتمالات خطيرة في المستقبل.

وأدانتمصروالأردنوجيبوتيوقطروالسعودية وتركيا الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وجاء في بيان مشترك صادر عن 20 دولة في الشرق الأوسط وأفريقيا إدانة واضحة لهذه الخطوة الأحادية التي تتجاوزالقانون الدوليوميثاق الأمم المتحدةوالنظام الأساسي للاتحاد الأفريقي.

ورأى مصطفى أن إسرائيل تحاول الآن تحويل اتفاقات أبراهام إلى اتفاقات لتفكيك الدول والمنطقة العربية.

وأوضح أن كل إقليم يحاول الحصول على الاعتراف الأميركي والاعتراف الدولي يبدأ من خلال المطالبة باعتراف إسرائيل بهذا الإقليم، وهذا ما فعلته إسرائيل في الستينيات معالأكرادفيالعراقوحاولت أن تفعله أيضا مع الأكراد فيسوريا، والآن تفعله مع هذه المناطق الانفصالية داخل المناطق العربية.

شاركها.