في قلب مدينة المحرق، حيث الأزقة التي تفوح منها رائحة البحر والبيوت التي تحفظ حكايات الغواصين وتجار اللؤلؤ، يأتي مهرجان ليالي المحرق ليعيد للمدينة نبضها الثقافي، ويمنح التراث البحريني مساحة جديدة للحياة والاحتفاء.
المحرق ليست مدينة عادية في ذاكرة البحرين؛ إنها العاصمة الأولى، ومهد الفنون الشعبية، ونقطة انطلاق الغواصين في رحلات البحث عن اللؤلؤ، وموطن البيوت التي شهدت نهضة التعليم والتجارة. ومن هنا، تنبع أهمية المهرجان الذي تحوّل من فعالية موسمية إلى مشروع ثقافي وطني، يزاوج بين صون الماضي وإلهام المستقبل.
تراث يُعاش لا يُروى فقط
نجح مهرجان ليالي المحرق في إحياء الفنون الشعبية التي تشكل جزءاً من روح البحرين، عبر عروض فنون الصوت، الفجيري، البحري، التي تعيد للأذن البحرينية حنينها الجميل، وتُعرّف الأجيال الجديدة على هوية موسيقية كادت أن تُختزل في التسجيلات القديمة.
كما أن إقامة الفعاليات على مسار اللؤلؤ الموقع البحريني المُدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي إلى جانب سوق القيصرية وبيت الشيخ عيسى بن علي وبيوت التجار، جعلت من المحرق مسرحاً مفتوحاً للتاريخ، تُقام فيه الأمسيات الثقافية والجولات التراثية، فتتحوّل المدينة نفسها إلى كتابٍ حيّ يقرأه الزائر والمقيم معاً.
الحرف.. روح الاقتصاد الثقافي
ولم يقتصر الأثر على الفن والعمران، بل امتد إلى دعم الحرفيين البحرينيين، الذين وجدوا في المهرجان منصة لعرض منتجات السدو والخوص وصناعة السفن واللؤلؤ، في خطوة تعزز استدامة التراث وتربطه بالاقتصاد، وتمنح الحرفة قيمتها الاجتماعية والثقافية إلى جانب قيمتها المادية.
جسر بين الأمس والغد
إن القيمة الحقيقية لـ«ليالي المحرق» تكمن في قدرته على ترسيخ الذاكرة المجتمعية؛ فهو يجمع الأهالي حول الحكايات، والأطعمة الشعبية، والمجالس التراثية، ليعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان، ويؤكد أن الهوية ليست ماضياً نتحسّر عليه، بل إرثٌ نتمسّك به ونطوّره.
المحرق.. حيث ينام الناس وتستيقظ الحكايات
في ليالي المحرق، لا يُحتفى بالماضي فقط، بل يُحمى ويُقدَّم للعالم بثقة. مهرجانها يذكّرنا بأن البحرين قادرة دائماً على حفظ كنوزها الثقافية، وأن المحرق ستظل كما عهدناها: مدينة اللؤلؤ، وصوت التراث، وحارسة الذاكرة الوطنية.
