بدر بن علي بن سعيد الهادي

 

عندما تتجه دول صغيرة سكانيًا مثل سلطنة عُمان نحو عقد شراكات اقتصادية كبرى لا يُقاس نجاح هذه الشراكات بحجم التبادل التجاري فقط؛ بل أيضًا بالآثار التي تصاحبه على المجتمع والهوية وسوق العمل.
وفي هذا السياق، تبرز المقارنة بين الهند والصين كنموذجين مختلفين في الحضور الاقتصادي خارج الحدود؛ فالنموذج الهندي في التوسع الخارجي يقوم إلى حد كبير على تصدير العمالة، وهو ما يشهده العالم اليوم وقد نتج عنه إجراءات للحد من هذا الانتشار؛ سواء في الولايات المتحدة أو كندا، وأخيرًا وليس آخرًا ما حدث في كل من أستراليا ونيوزيلندا.
الشركات الهندية غالبًا لا تأتي وحدها؛ بل تصطحب عمالها وموظفيها وشبكاتها البشرية، ما يؤدي مع الوقت إلى زيادة أعداد العمالة؛ سواء أكانت تفيد الاقتصاد أم مجرد زيادة عدد، مما يضغط على سوق العمل المحلي والخدمات المجانية التي تقدمها الدولة لمواطنيها والمقيمين فيها، وقد يؤثر ذلك أيضًا على التركيبة السكانية.
هذا النموذج قد يكون مناسبًا لدول ذات كثافة سكانية عالية مثل الولايات المتحدة وأستراليا، لكنها مع ذلك لم تستطع تحمل التوافد البشري الكبير الذي تصدره الهند.
أما في بلد مثل سلطنة عُمان فهذا يشكل إشكالية حقيقية؛ إذ إن عدد السكان منخفض للغاية، وأي تحول ديموغرافي بهذا الحجم سيكون له عواقب وخيمة، وربما يفقد البلد السيطرة على بعض الأراضي في حال قررت هذه الفئة الاستقرار.
أما الصين فالأمر مختلف؛ إذ تعتمد على التجارة دون الاعتماد على الهجرة البشرية.
الصين تركز على تصدير السلع والشراكة في مشاريع البنية التحتية والتقنية مع وجود عمالة مؤقتة مرتبطة بالمشروع لا بالمجتمع. وعادة ما يعمل الصينيون في مدن خاصة، ما يتيح تصدير الاقتصاد دون تصدير الإنسان، كما نستفيد من تدريب الكوادر العُمانية، وهو ما يشكل نقطة فارقة عند تقييم الشراكات طويلة الأمد.
ومثال على ذلك يمكن العودة إلى الاتفاقية التجارية بين السلطنة والولايات المتحدة، حيث استفاد المجتمع العُماني من المنتجات الأمريكية مثل السيارات وأجهزة وتقنيات متقدمة بأسعار منافسة دون أي امتداد بشري أو تأثير على التركيبة السكانية.
لذلك نقول: لماذا يُعد التوجه نحو الصين خيارًا منطقيًا لعُمان؟
التوجه نحو الصين يمكن أن يحقق للسلطنة تنويع مصادر السلع من خلال نقل المعرفة الصناعية وبعض الصناعات الصينية التي تستخدم الموارد العُمانية لصناعتها وتصديرها لاحقًا للعالم.
كما إن خبرة الصين في بناء البنية التحتية تجعل السلطنة قادرة على إعادة بناء عُمان الحديثة بأقل التكاليف، مستفيدة من التقنيات والخبرات الصينية؛ بما يتماشى مع حاجة عُمان إلى شراكات اقتصادية تضيف للاقتصاد دون أن تعقد المجتمع.
هذا الطرح لا يستهدف دولة بعينها ولا يحمل موقفًا سلبيًا تجاه أي شعب؛ بل ينطلق من حقيقة بسيطة أن عُمان تحتاج إلى تجارة لا هجرة.
عُمان بحاجة إلى شراكات تجارية ذكية تقوم على استيراد السلع والتقنية والاستثمار، لا على استيراد الكتل البشرية.
التجربة الأمريكية أثبتت ذلك، والنموذج الصيني أقرب لهذا المسار، بينما النموذج الهندي يتطلب حذرًا وضوابط صارمة.
الاقتصاد يُبنى بالأرقام، وعُمان يجب أن تُحفظ بالتوازن.

 

شاركها.