– مارينا مرهج
خلال الشهر الأخير من عام 2025، شهد الساحل السوري تصاعدًا في التوترات الميدانية والسياسية، أعاد هذه المنطقة إلى واجهة المشهد السوري بوصفها إحدى أكثر الساحات حساسية وتعقيدًا.
وجاءت هذه التطورات في سياق احتجاجات شعبية طالبت بتحسين الأوضاع السياسية والاجتماعية، ترافقت مع شعارات تتعلق بالعدالة والمساءلة والفيدرالية، عقب دعوة أطلقها رئيس “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى”، الشيخ غزال غزال، قبل أن تنزلق إلى مواجهات وأعمال عنف، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين وعناصر الأمن، دفع السلطات إلى حظر تجول في اللاذقية وسط تعزيزات أمنية وانتشار للقوات الحكومية في الشوارع الرئيسة.
تأتي هذه الأحداث في ظل خلفية معقدة طالت مناطق الساحل ذات الأغلبية “العلوية” في أشهر سابقة، بما فيها عمليات عسكرية واسعة في آذار 2025، أعقبت تحرك مجموعات تنتمي للنظام السابق، بحسب ما ذكرته تقارير، وقتل فيها المئات من المدنيين ورجال الأمن العام، في سياق يشهد تحولات سياسية وأمنية عميقة على امتداد سوريا.
تصعيد محسوب واختبار السيطرة
يرى الصحفي في جريدة “النهار” عبد الله سليمان علي، أن ما جرى في الساحل السوري يمكن فهمه بوصفه تصعيدًا محسوبًا من حيث الشكل، لكنه يبقى قابلًا للانفلات في أي لحظة، في ظل سياق سياسي وأمني عام يتسم بتراكم التوترات وعجز السلطة عن تحقيق اختراقات حقيقية في ملفات أساسية، ويشير إلى أن ملف الساحل، شأنه شأن بقية الملفات السورية المفتوحة، لم يشهد تقدمًا ملموسًا سواء على المستوى السياسي أو الأمني.
وقال علي، في حديث إلى، إن اللقاءات التي أُعلن عنها، بما فيها لقاء الرئيس السوري، أحمد الشرع، مع وفد من الساحل، لم تُترجم إلى إجراءات عملية أو نتائج واضحة على الأرض، بحسب رأيه، ما أسهم في بقاء منسوب التوتر مرتفعًا، منوهًا إلى أن ما يجري في الساحل لا يمكن فصله عن بقية الملفات العالقة في البلاد، ولا سيما شرق الفرات والسويداء، حيث تزامن تصعيد الاحتجاجات مع دخول الشهر الأخير من المهلة المحددة لتنفيذ الاتفاق بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ودمشق، ما يمنح توقيت الأحداث بعدًا سياسيًا يتجاوز المطالب المحلية المباشرة، ويضعها في سياق أوسع مرتبط بإعادة ترتيب المشهد السوري.
إلى جانب ذلك، ترافقت التطورات الداخلية مع تقارير إعلامية دولية تحدثت عن استعدادات محتملة لعمل عسكري في الساحل، إضافة إلى تسريبات عن لقاءات واتصالات إقليمية ودولية، وهو ما يشير، بحسب علي، إلى وجود مستوى ثالث من التصعيد يتجاوز العلاقة بين الساحل والمركز، ويرتبط مباشرة بالصراع الإقليمي والدولي على سوريا.
وعلى عكس القراءة التي قدمها علي، يقدم الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد، مقاربة مختلفة للأحداث الأخيرة في الساحل السوري، تنطلق من وصفها كمواجهة مع تحديات محدودة من حيث الحجم، لكنها عالية الحساسية من حيث الموقع والرمزية.
ويرى السيد أن المظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها المنطقة، وما لحقها من أعمال عنف وتخريب، جاءت نتيجة محاولة بعض المجموعات استغلال الوضعين المعيشي والأمني لإثارة اضطرابات أوسع.
وبحسب السيد، تعاملت الدولة مع هذه التطورات باعتبارها تهديدًا يجب احتواؤه سريعًا قبل توسعه، فجاء الرد عبر تعزيز الانتشار الأمني وضبط الشارع، مع رسائل واضحة بأن الاستقرار يعد خطًا أحمر لا يمكن المساس به، مؤكدًا أن هذا التدخل السريع عكس قناعة رسمية بضرورة الحسم المبكر، تفاديًا لتحول الاحتجاجات إلى مسار يصعب السيطرة عليه.
تأثير محدود واختبار لإدارة الأزمات
تركت هذه الأحداث تأثيرات واضحة على الواقع السوري، وفقًا للصحفي عبد الله سليمان علي، إذ أعادت تثبيت الساحل بوصفه ملفًا قيد التسخين السياسي والأمني، لا مجرد ساحة احتجاج عابر أو مؤقت، تجلى ذلك في تزامن التطورات مع إطلاق حملات لملاحقة ضباط سابقين، يقال إنهم فارون في لبنان وروسيا، في إشارة إلى إعادة فتح هذا الملف ضمن سياق أوسع وأكثر تعقيدًا.
وأشار علي إلى أن ردود الفعل على الاحتجاجات الشعبية جاءت بسقف مرتفع، شعبيًا ورسميًا، خاصة بعد ما شهدته أحياء في اللاذقية من أعمال شغب، بالتوازي مع صدور تصريحات حادة عن وزارة الداخلية السورية، ركزت على استهداف ما سمي بـ”الفلول”، غير أن الإشكالية الأساسية، بحسب علي، تمثلت في غياب أي تعريف واضح لهذا المصطلح، ما جعله توصيفًا فضفاضًا قابلًا للتوسع والتأويل.
هذا الغموض انعكس، بحسب علي، في نمط الاعتقالات التي تلت ذلك، والتي شملت رجال دين وناشطين وكتّابًا ومثقفين، باتهامات متشابهة تتعلق بـ”الفلول” أو بحيازة السلاح، ما أعطى انطباعًا بأن الرسالة لم تكن موجهة إلى أفراد بعينهم بقدر ما طالت شريحة اجتماعية أوسع، وأسهم في تعميق منسوب القلق بدل احتوائه.
وفي تقييمه لتداعيات ما جرى على الواقع السوري عمومًا، يرى الباحث معتز السيد، أن التأثير لم يكن جوهريًا أو بنيويًا، إذ بقيت مؤسسات الدولة متماسكة، ولم تظهر مؤشرات على تراجع قدرتها على السيطرة، معتبرًا أن الحكومة تعاملت مع الأحداث بوصفها اختبارًا لقدرتها على إدارة الأزمات في مناطق حساسة، ونجحت في تجاوزها نسبيًا حتى الآن، وأن ما حدث لم يغير موازين السيطرة، ولم يفتح مسارات تصعيد خارجة عن التحكم، بل شكّل فرصة لإعادة تأكيد حضور الدولة وقدرتها على التدخل السريع عند الضرورة.
مركز ثقل وحساسية مضاعفة
لا تقتصر خصوصية الساحل على البعد الجغرافي، بحسب علي، بل تنبع من حساسية مركبة تجمع بين الهوية والذاكرة والموقع، فالساحل يُقرأ، داخل سوريا وخارجها، من خلال عدسة الجماعة “العلوية” بوصفها مرتبطة تاريخيًا بمركز السلطة السابق، وهو ما يولد وضعًا مزدوجًا وخطيرًا في آن واحد، أو “جماعة تُعامل أحيانًا باعتبارها متهمة جماعيًا بجرائم المرحلة السابقة، وفي الوقت نفسه تعيش خوفًا جماعيًا من الانتقام أو الإقصاء”.
لذلك، فإن أي حادثة أمنية في الساحل لا تبقى في إطارها الأمني، بل تتحول سريعًا إلى سؤال وجودي يتعلق “بمن يُستهدف ولماذا؟”.
كما يمنح الثقل السكاني والرمزي للعلويين في الساحل وزنًا خاصًا، إذ يقرأ أي احتجاج أو قمع أو توتر فيه هذه البيئة، بوصفه مؤشرًا على الاتجاه العام للدولة ككل، نحو الاحتواء الفعلي وبناء شراكة، أو نحو إعادة إنتاج منطق الاشتباه الجماعي.
وتتضاعف هذه الحساسية بفعل الجغرافيا الاستراتيجية والبعد الاقتصادي السيادي، إذ تمثل طرطوس واللاذقية، وفقًا للصحفي علي، بوابة سوريا البحرية، حيث تتقاطع ملفات شديدة الحساسية تتعلق بالمواني وخطوط الإمداد والتجارة، وأي ترتيبات سيادية مرتبطة بالبحر، ما يجعل الاستقرار في الساحل جزءًا من صورة “قابلية الدولة للحياة” اقتصاديًا وأمنيًا.
ويتقاطع هذا التحليل مع قراءة الباحث السيد، الذي يرى أن الساحل السوري يتميز بتركيبته الاجتماعية والدينية، ويعد مركز ثقل أساسيًا للطائفة العلوية، ما يجعل أي اضطراب فيه يُقرأ تلقائيًا كتهديد مباشر لوحدة البلاد واستقرارها، ويفسر سرعة التدخل الأمني والسياسي من قبل السلطة.
مزيج من الحزم والاحتواء
في تقييمه لطريقة تعامل الدولة وخطابها، يرى الصحفي عبد الله سليمان علي، أن المقاربة المعتمدة تقوم على إدارة الملف أكثر من السعي إلى حله جذريًا، فالساحل لا يزال يُنظر إليه بوصفه ملفًا أمنيًا- سياسيًا ينبغي ضبطه والتحكم بإيقاعه، لا أزمة تتطلب معالجة سياسية واجتماعية أعمق تعيد بناء الثقة مع المجتمع المحلي.
فعلى المستوى الأمني، بدا الأداء متفاوتًا، بحسب الصحفي في جريدة “النهار”، إذ جرى احتواء الاعتصام الأول دون سقوط قتلى، لكن هذا النموذج لم يُستكمل لاحقًا، مع اعتماد منطق “شارع مقابل شارع”.
أما على مستوى الخطاب، فقد اعتبر علي أن تصريحات وزارة الداخلية شكلت نقطة إشكالية محورية، إذ جرى رفع سقف الخطاب بشكل مفاجئ مع التركيز على وجود مسلحين من “الفلول” بين المتظاهرين، والمشكلة، باعتقاده، لم تكن في التحذير بحد ذاته، بل في غموض المصطلح واتساع دلالاته، ما أسهم في إعادة إنتاج منطق الاشتباه الجماعي بدل التهدئة.
وفي توصيفه لطريقة تعامل الدولة مع الأحداث، أشار الباحث معتز السيد، إلى أنها اتسمت بمزيج من الصرامة والمرونة في آن واحد، أمنيًا، حيث جرى انتشار الجيش وقوى الأمن لضبط الوضع ومنع تفاقم الاضطرابات، بالتوازي مع التشديد على وحدة السوريين ورفض أي خطاب طائفي قد يستثمر في التوترات القائمة، كما أُطلقت وعود بتحسين الخدمات وتخفيف الأعباء المعيشية، والإفراج عن بعض المعتقلين، في محاولة لامتصاص الغضب واحتواء الاحتقان.
سيناريوهات مفتوحة لإدارة التوترات المستقبلية
وبالنظر إلى المستقبل، يرى الصحفي عبد الله سليمان علي، أن مسار التطورات في الساحل، وكذلك طبيعة العلاقة مع هذه الفئة من السوريين عمومًا، سيتحددان وفق الخيار الذي ستتخذه الدولة في المرحلة المقبلة.
فإما أن يتمثل في الاستمرار في التعامل مع الساحل بوصفه ملفًا أمنيًا قابلًا للضبط المؤقت، عبر الردع والخطاب المرتفع السقف، من دون الذهاب إلى معالجة سياسية حقيقية، وهو ما قد ينجح في خفض التوتر على المدى القصير، لكنه يحمل في داخله عوامل انفجار مؤجلة.
وإما الانتقال من منطق الإدارة الأمنية إلى منطق الحل السياسي والاجتماعي، عبر ضبط الخطاب الرسمي، وتحديد المسؤوليات الفردية بدل التعميم، وفتح قنوات تواصل شفافة مع ممثلي المجتمع المحلي، وتقديم ضمانات عملية تتعلق بالحقوق والأمن والمشاركة في المستقبل السياسي.
الباحث معتز السيد، أشار إلى أن الدولة تراهن على أن الدمج بين الأمن وتحسين الخدمات لإعادة بناء الثقة تدريجيًا، وأن أبناء الساحل، ولا سيما من الطائفة “العلوية”، سيبقون جزءًا أساسيًا من المشروع الوطني، بالتزامن مع إدراك رسمي بأن التوترات قد تتكرر، لكن مع استعداد دائم لاحتوائها بسرعة، في إطار مقاربة ترى فيها الضامن الأساسي للاستقرار في واحدة من أكثر مناطق البلاد حساسية.
مرتبط
المصدر: عنب بلدي
