د. مجدي العفيفي
(9)
نقف أمام أعظم صدمة ذهنية واجهها العقل العربي في العصر الحديث: تحول الإنسان العربي من صانعٍ للحدث، ومبدعٍ في مسار التاريخ، إلى متلقٍ سلبي، يراقب ويمتص المعلومات والتعليمات بدل أن يشارك في صياغة مصيره.
هذه الظاهرة لم تولد من فراغ، بل هي نتاج عمليات متواصلة من الاختطاف الذهني والثقافي، حيث يتم توجيه الأفكار، إدارة الإعلام، وتصميم المناهج بطريقة تجعل الفرد يعيش في دوامة من الاعتماد على الخارج واللامبالاة الداخلية.
(10)
من الفكرة إلى الشاشة: اختطاف العقل
بدأت العملية تدريجيًا عبر السيطرة على أدوات الاتصال والمعرفة. كان العقل العربي في لحظةٍ ما يسبح في بحر الأفكار، يتلقى المعرفة، ويصنع المبادرات. لكن مع انتشار الشاشات والميديا، ومع توظيف التعليم والأدب والثقافة لمصالح سياسية واقتصادية، بدأ الفعل المباشر يُستبدل بالاستهلاك السلبي: الأخبار، البرامج، الأفلام، الإعلانات، وحتى وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت وسائط لتوجيه الانتباه، لتوجيه العواطف، ولزرع الرسائل الخارجية التي تحجب التفكير النقدي.
(11)
عوامل تحويل العربي إلى متلقٍ كالتالي:
التلاعب بالإعلام: التحكم بالمعلومة يعني التحكم بالعقل. كل ما يصل إلى الفرد أصبح مُصفّىً ومصممًا ليحدث صدمة، تشتت الانتباه، وتخلق شعورًا بالعجز أمام الأحداث. الإعلام، أيًا كان نوعه، أصبح أداة لتحديد ما يُفكر فيه العربي، بدلًا من أن يكون نافذة لفهم العالم.
التعليم المغلق والموحَّد: المدارس والجامعات، التي كانت يومًا مراعي للأفكار الحرّة، أصبحت معسكرات تربية فكرية تهدف لتكرار المعلومات دون تحفيز على النقد أو التفكير الإبداعي. الفرد العربي يتعلم أن يحفظ، لا أن يبدع؛ أن يتبع، لا أن يقود.
الثقافة الاستهلاكية: عصر الاستهلاك قلب الأولويات؛ أصبح الهدف هو الامتصاص السريع للمعلومات، اللحظات الترفيهية القصيرة، والاهتمام بالشكليات دون الجوهر. الثقافة الاستهلاكية تُبعد الفرد عن بناء رؤية شخصية أو مشروعٍ جماعي.
الفساد المؤسسي والنخبوي: الطبقات الحاكمة التي حولت الدولة إلى أدوات مصالح ضيقة، حرمت المواطن من المشاركة الفعلية. أصبح العربي معتادًا على أن يكون متلقيًا للتعليمات، القرارات، والسياسات، بدل أن يكون شريكًا في صياغتها. العجز اليوم هو نتاج هذا التواطؤ المزمن بين السلطة والمجتمع.
(12)
ثمن هذا التحول.. الخسارة هنا مزدوجة: أولًا، فقدت الأمة العربية القدرة على صناعة المستقبل بشكل مستقل، واعتمادها على توجيهات خارجية أو على قرارات نخبة ضيقة. ثانيًا، الشعور الجماعي بالعجز يغرس الخوف من المبادرة، ويقتل الرغبة في الإبداع والمواجهة، مما يُنتج دوامة من الانكسار المستمر.
(13)
استعادة الفاعلية: من المتلقّي إلى الفاعل
استعادة الدور الفعّال للعقل العربي تتطلب خطوات شجاعة وجذرية:
إعادة بناء التعليم الحرّ والنقدي… مؤسسات تعليمية تحفز التفكير، التجريب، والابتكار.
تحرير الإعلام من التبعية: منصات إعلامية تحترم العقل، تعرض الحقائق، وتشجع النقاش، بدلًا من بث الأوامر أو التوجيه.
تعزيز الثقافة العامة… نشر كتب، أفكار، مشاريع فكرية، وحوارات ثقافية تعيد الثقة في القدرات الذاتية.
محاسبة النخبة: جعل المسؤولين والطبقات الحاكمة عرضة للمساءلة، لضمان ألا يكون المواطن متلقيًا دائمًا لسياسات جاهزة.
استراتيجيات المشاركة الجماعية: تشجيع مبادرات المواطنين، المجالس المحلية، والمشاريع الجماعية لإعادة شعور الفعل.
(14)
وهكذا… حين يتحول العربي إلى متلقٍّ، تتحول الأمة بأكملها إلى كيان مستهلك للأحداث بدلًا من صانع لها.
هذه ليست مجرد ملاحظة فلسفية؛ إنها تحذير صارخ من أن الاستسلام للعجز يقتل التاريخ، ويجمد المستقبل.
الاستيقاظ من هذا الاختطاف يتطلب وعيًا جماعيًا، مقاومة يومية، ورغبة حقيقية في تحويل الشاشة من أداة للتحكم في عقولنا إلى نافذة لنبني منها أفكارنا ومصائرنا.
نحن فاعلون تاريخيًا، وإن أي نظام أو أداة تُحاول تحويلنا إلى متلقٍّ هي خصم مباشر للإبداع والحرية والكرامة.
الاستعادة تبدأ من هنا، من إدراك أن العقل العربي يستطيع أن يكون محركًا، لا مجرد شاشة للاستقبال.
(15)
هل يخرج الإنسان العربي من مستنقع «المفعول فيه»؟!
