اخبار تركيا

ناقش مقال للكاتب والإعلامي التركي طه قلينتش، التناقض الظاهري بين تدهور الأوضاع المعيشية في إيران واستمرار تماسك النظام السياسي، مجادلًا بأن هذا التماسك لا يُفهم إلا عبر إدراك عمق الهوية الإيرانية ورفضها التاريخي لأي تدخل خارجي.

يبيّن الكاتب أنه حتى الإيرانيين المعارضين للنظام يفصلون بوضوح بين نقدهم الداخلي ورفضهم القاطع للمساس بسيادة بلادهم، وهو ما يجعل أي دعم غربي أو إسرائيلي للاحتجاجات عاملًا معززًا للنظام لا مضعفًا له.

كما يحذّر من أن تكرار سيناريوهات التدخل، على غرار انقلاب 1953، لن يفضي إلى تغيير ديمقراطي، بل إلى فوضى إقليمية واسعة ستكون تركيا من أول المتأثرين بها. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:

في كل زيارة لي إلى إيران، كان أمران يلفتان انتباهي في الوقت نفسه وبالتوازي: تدنّي مستوى معيشة الناس، وهيمنة المناخ السياسي/الديني على الحياة العامة. والمثير للاهتمام أن هذين العاملين، بدل أن يتناقضا أو يتدافعا، كانا متداخلين ومتلاحمين بصورة وثيقة. وهذا هو الانطباع نفسه الذي يخرج به كل من يراقب إيران من الداخل وبنظرة صادقة.أما الخطأ الذي يقع فيه من ينظرون إلى إيران من الخارج وبسطحية، فهو تحديدًا هنا: إذ يعجزون عن إدراك مدى عمق وتجذّر الهوية الإيرانية، ويتخيّلون أن “حال الشعب” لا بد أن يصطدم في يوم ما بـ”النظام الذي يفرضه رجال الدين”، وأن شمس “الديمقراطية” ستشرق من هذا التصادم.

ذات مرة، كنت في تبريز أتحدث باللغة التركية مع إيراني كان يوجّه انتقادات شديدة ومباشرة للنظام. تحدّث مطولًا عن فساد المسؤولين، وتراكم الثروات لدى رجال الدين، وإنفاق أموال الإيرانيين على مغامرات مذهبية خارج البلاد، وغير ذلك.

لكن انتقاداته، على شدّتها، لم تتجاوز أبدًا “حدود إيران”. لم يكن في أسلوبه أدنى تلميح إلى التعويل على دول أجنبية أو إلى الإعجاب بأي ثقافة خارجية. بل إن الحديث، حين انحرف لاحقًا إلى موضوع آخر، ومازحه أحد الجالسين قائلًا: “يا رجل، البطيخ الذي يأتي من إيران إلى تركيا كلّه فاسد”، ردّ من دون تردد: “لأننا نشتري الدواء من تركيا!”

بكلمات أخرى، حتى الإيراني المعارض للنظام، الذي كنت أتحدث معه بالتركية، لم يسمح بالمساس بسمعة بطيخ بلاده.

لقد اختبرت عشرات القصص المشابهة لهذه الحكاية مع إيرانيين في شتى أنحاء العالم. فهم يفصلون بوضوح بين انتقاداتهم للنظام وللإدارة، وبين أي تدخل خارجي في شؤون بلادهم، حتى لو كان هذا التدخل مجرّد انتقاد لفظي. وهذه النقطة الدقيقة والمهمة تشكّل في الوقت ذاته الجواب الأقصر عن سؤال: لماذا لا يزال النظام القائم في إيران صامدًا حتى اليوم، رغم كل ما يمارسه من قمع، ورغم الانهيار الاقتصادي الداخلي، ورغم النزيف الكبير الذي يتعرض له على المستوى الإقليمي؟

وأنا أتابع الاحتجاجات التي تشهدها مدن إيرانية عدة منذ أيام، والتي تعكس حالة السخط الناتجة عن الأوضاع الاقتصادية، أجدني في الوقت نفسه أُصغي إلى أصوات قادمة من الولايات المتحدة وإسرائيل. هؤلاء يبدون غافلين تمامًا عن مدى الأثر العكسي الذي تخلّفه رسائل دعمهم “الحماسية” للمتظاهرين في وجدان الشعب الإيراني.

إن كل رسالة “تشجيع” من هذا النوع تستحضر في الذاكرة الجمعية للإيرانيين انقلاب عام 1953، حين أُطيح بمحمد مصدّق عبر انقلاب دنيء دبّرته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وMI6 البريطانية. وهم، كما يبدو، لا يقرأون التاريخ، ولا يمتلكون حتى الحد الأدنى من الحسّ التعاطفي مع من يخاطبونهم.

في ظل هذه الخلفية، حاول أن تتخيّل كيف سينظر الإيرانيون إلى “العملية” التي نفذتها الولايات المتحدة في فنزويلا يوم السبت الماضي.

هل قالوا: “ليتهم يفعلون الأمر نفسه معنا ويأخذون حكّامنا”؟

أم تمنّوا ألا تتعرض بلادهم لمثل هذا السيناريو مطلقًا؟

كل من يعرف إيران والإيرانيين معرفة ولو بسيطة، يدرك أن الجواب هو الثاني بلا تردد.

ومع ذلك، فإن الأخبار الواردة من إيران توحي وكأن انقلاب عام 1953 يُعاد تمثيله من جديد. ففي ذلك الوقت، بدأت الأحداث بأعمال تخريبية في شوارع طهران، قادها زعيم عصابة يُدعى شعبان جعفري، الملقّب بـ”شعبان الأهبل”، وانتهت بالإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدّق. وقد نُقل شعبان لاحقًا إلى الولايات المتحدة، وعاش في كاليفورنيا حتى وفاته عام 2006 عن عمر ناهز 85 عامًا.

لقد استمدّ النظام القائم في إيران، ولا سيما الوضع القائم المحيط بالمرشد الديني آية الله علي خامنئي، قوته حتى اليوم من الهوية الإيرانية المتجذّرة ومن الشعور الجمعي بالذات. فالسوسيولوجيا الإيرانية، التي تتغذى على ثقافة حداد مشحونة بالتحريض العاطفي، ربطت نفسها بفكرة “مظلومية أهل البيت عبر التاريخ”، واستمرت على هذا الأساس حتى اليوم.

أما العقوبات والحصار الدولي، فقد خلّفا أثرًا أشبه بالنزعة المازوخية لدى الإيراني العادي. وأوضح مثال على ما ينتج عن إسقاط فهم ديني يتغذى على الألم والمعاناة على الحياة الحديثة، يمكن رؤيته بجلاء في المجتمع الإيراني.

من الصعب التنبؤ إلى أي مدى يمكن لهذا الوضع القائم أن يستمر، وإلى متى سيتمكن النظام من الإمساك بزمام الأمور. غير أن المؤكد هو أن أي تدخل خارجي في إيران سيدفع المنطقة بأسرها، وفي مقدمتها تركيا، إلى أتون عاصفة عاتية.

أما انتظار أن يُصلح النظام نفسه بنفسه، فيشبه انتظار رجل مشلول أن ينهض فجأة ويبدأ في الجري ماراثونًا.

شاركها.