اخبار تركيا
تناول مقال للكاتب والمحلل التركيسليمان سيفي أوغون، المسار التاريخي لتحول النظام العالمي منذ أواخر الحرب الباردة، مجادلًا بأن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن انتصارًا نهائيًا للغرب، بل لحظة انفجار لأزمة نظامية عالمية تأجلت نتائجها.
يحلل أوغون صعود المحافظين الجدد، والتحول من سياسات التوازن إلى العدوان المفتوح، ثم تفكك الأطر الأيديولوجية التقليدية لصالح هيمنة الدولار والبترودولار. كما يناقش الصراع الداخلي داخل رأس المال بين المشروع النيوليبرالي التقليدي ومشروع “العهد الأخضر الجديد”، وصولًا إلى عودة النزعة الإمبراطورية العارية في عهد ترامب.
ويخلص إلى أن العالم يعيش مرحلة انتقالية قاتمة، حيث ينهار القديم دون أن يولد الجديد، في زمن تتكاثر فيه “الوحوش” كما وصف غرامشي. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:
يبدو أن هناك احتمالين لا ثالث لهما.الأول، أن المحافظين الجدد الذين صعدوا إلى واجهة المشهد بوصفهم النخب الجديدة في الولايات المتحدة، لم يدركوا أن انهيار المعسكر السوفييتي ونهاية الحرب الباردة لم يكونا نتيجة انتصار بسيط، بل تعبيرا عن أزمة نظامية عالمية ستطالهم هم أيضا عاجلا أم آجلا. انغمسوا في نشوة النصر، ولم يروا ما وراءها.
الاحتمال الثاني، أنهم أدركوا ذلك، لكنهم اختاروا تحويله إلى فرصة، والسعي إلى تجاوزه عبر الهجوم لا التراجع. وفي الحقيقة، منذ اللحظة التي وُضعت فيها الخطط موضع التنفيذ، لم يعد للفارق بين هذين الاحتمالين أي أهمية تذكر.
يمكن رصد البدايات الأولى لهذا المسار في العقد الأخير من الحرب الباردة، خلال عهد ريغان. فقد كان عقد الثمانينات، بين عامي 1981 و1989، مرحلة تمهيد وتجريب. في ذلك الوقت كان الاتحاد السوفييتي لا يزال قائما، بل يقود ما كان يسمى بمعسكر الشر. ريغان لم يكن يحب النخب التوازنية، التي كان خيارها النهائي هو تبني سياسات الانفراج والتعايش السلمي.
وهي لم تلجأ إلى ذلك من فراغ، إذ إن أزمة الصواريخ الكوبية دفعت العالم إلى حافة كارثة نووية، كما أن حرب فيتنام أنهكت الولايات المتحدة بشكل بالغ. ومنذ ستينات القرن الماضي وحتى أواخر السبعينات، ارتفعت آمال السلام تدريجيا، وتنفس العالم الصعداء. غير أن الولايات المتحدة كانت تفقد قوتها في الوقت نفسه.
ظاهريا، بدت المؤشرات الاقتصادية السوفييتية أفضل من نظيرتها الأمريكية. أرقام الصعود في موسكو والتراجع في واشنطن كانت كفيلة بإثارة ذعر اقتصاديين مخضرمين مثل صامويلسون، الذي لم يتردد في إطلاق تصريحات من نوع: “يبدو أننا نخسر”.
وإلى جانب ذلك، وصلت حركات مدعومة من السوفييت إلى السلطة في فيتنام ولاوس وكمبوديا وغرينادا ونيكاراغوا وأفغانستان، وكذلك في موزمبيق وأنغولا. وكأن ذلك لم يكن كافيا، اندلعت في إيران ثورة ذات طابع ديني غير مسبوق. بدا وكأن سياسة الانفراج لم تخدم المصالح الأمريكية.
وهنا بدأت نهاية مرحلة التوازنيين. ولهذا بالذات ظهر ريغان بسياسة اقتصادية نيوليبرالية فوضوية أنهت الكينزية التي هيمنت على الغرب في زمن الحرب الباردة، وبنزعة عدوانية عالمية في آن واحد. وكانت شخصيات مثل تاتشر وكول وأوزال حلفاءه في هذا المسار داخل أوروبا وخارجها.
المفارقة أن أي مراقب في أواخر السبعينات كان يمكن أن يظن أن السوفييت هم المنتصرون. لكن بعد أقل من عقد، كان الانهيار المدوي من نصيبهم. هذه النتيجة زادت المحافظين الجدد اندفاعا وشراسة. انتهى عهد ريغان عام 1989، وفي العام نفسه سقط جدار برلين، وبعد عامين دُفن الاتحاد السوفييتي في صفحات التاريخ.
الرئيس، جورج بوش الأب، سارع إلى توجيه هذا الاندفاع العدواني نحو الشرق الأوسط. ولم يكن من الصعب بناء العمود الفقري الأيديولوجي لهذا التوحش العالمي. شعارات الحرية، أي القيم التي يُفترض أنها جوهر الغرب، كانت كافية وأكثر من كافية.
وكما كتب بعضهم آنذاك، كان التاريخ قد وصل إلى نهايته، ولا حاجة إلى جهد أيديولوجي إضافي. وبدلا من ذلك، جرى الترويج لفكرة صراع الحضارات. لم يعد التمييز بين الصديق والعدو يقوم على الأيديولوجيا، بل على الانتماء الحضاري. وهنا حل الإسلام محل الشيوعية بوصفه العدو الجديد.
في هذه المرحلة، جرى التخلص من الأنظمة العسكرية والانقلابية التي كانت تؤدي دور الوكيل للولايات المتحدة في مرحلة التوازن. إسقاط ماركوس وبينوشيه، والتخلص السريع من أنظمة ما بعد الانقلابات، كان مؤشرا واضحا. اليسار الجديد وقع في الفخ هنا، إذ اعتبر هذه العمليات صحوة أخلاقية للغرب وإصلاحا ذاتيا، ما سهل إخضاعه للتأديب الليبرالي.
باتت المنظومة القيمية المتاحة شديدة الفاعلية: الديمقراطية، حقوق الإنسان، الحريات. كانت بمثابة مفتاح شامل، يعمل كأداة اقتحام تفتح كل الأبواب. وفي العمق، أصبح معروفا حتى لدى عامة الناس أن جوهر المسألة هو حماية شبكة التجارة العالمية القائمة على الدولار، وبخاصة هيمنة البترودولار.
ابتداء من تسعينات القرن الماضي، قلبت الصين الطاولة بهجومها الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، كانت الأزمة النظامية تتعمق بصمت. وبعد دخول الألفية الجديدة، لم يعد بالإمكان إخفاؤها أو احتواؤها. ظهر شرخ غير قابل للإصلاح في بنية رأس المال. وكما أشرنا مرارا، برزت كتلة رأسمالية تقودها دوائر مالية وتكنولوجية، وطرحت مشروعا تحويليا شديد الراديكالية، أطلقت عليه اسم “العهد الأخضر الجديد”.
كان برنامجا غريبا، يحمل حساسيات الطبقة الوسطى العليا، ويربط منظومة الحريات بأنماط حياة طليعية وهامشية. تولت حركة “ووك” قيادته أيديولوجيا. في جوهره، كان ذلك إعلان حرب على مصادر الطاقة الكربونية، ومحاولة لإعادة بناء الهيمنة الأمريكية على أساس جديد كليا.
احتقر هذا التيار الأنظمة التابعة في الشرق الأوسط التي تعيش على النفط والغاز، وتحدى روسيا بوصفها قوة طاقة كبرى، ووضع الصين أيضا في دائرة الاستهداف بسبب صناعاتها الملوثة. لكن الأهم من كل ذلك، أن الصراع كان في جوهره حربا داخل رأس المال نفسه. السؤال الحاسم كان: إلى أي جانب سينحاز قطاع التكنولوجيا، والدواء، والزراعة، والمجمع العسكري؟
في البداية، جرى اختبار مشروع العهد الأخضر الجديد، لكن كلفته التي تجاوزت مئة تريليون دولار جعلته يبدو وهما سياسيا لنخب عاجزة. هنا جاء صعود ترامب. تخلت قطاعات التكنولوجيا والزراعة والمجمع العسكري عن “الووك”، بعدما فقدوا صلتهم بالطبقات المتضررة اقتصاديا، وعادوا إلى إعداداتهم الأصلية.
اليوم، يبدو أن كل شيء مكرس لإحياء البترودولار واحتكار الدولار في التجارة العالمية. الفارق أن الولايات المتحدة لم تعد تشعر بالحاجة إلى تبرير عدوانيتها. خطوة خطوة، تضغط على طرق التجارة الصينية، وتسيطر على مصادر الطاقة التي تحتاجها.
يبدو أن هناك توقفا مؤقتا لعمليات “تنظيف المناطق”: شرق أوروبا والبلطيق لروسيا، وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط للولايات المتحدة، والمحيط الهادئ للصين. بعد الانتهاء من ذلك، سيواصل الجميع من حيث توقفوا. كانت أوكرانيا وفنزويلا أول من سقط تحت الرحى، وعلى الأرجح أن تايوان في الانتظار.
كان غرامشي محقا تماما حين كتب:
“نعيش زمنا يتعفن فيه القديم دون أن يولد الجديد. العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يصارع كي يولد. وهذا هو زمن الوحوش”.
