اخبار تركيا
تناول مقال للكاتب والمحلل التركينيدرت إيرسانال، تفكيك أسباب الهشاشة المعرفية السائدة حاليا أمام السرديات الأميركية، لا بوصفها نتيجة نقص في الوعي أو الخبرة، بل باعتبارها نتاجًا لتشكّل مبكر للوعي داخل منظومة ثقافية وإعلامية غربية متماسكة.
ينطلق الكاتب من الحالة الفنزويلية مثالًا حيًا على كيفية تسويق التدخلات الأميركية عبر روايات مبسّطة ومضلِّلة، ويتجاوز الشكل الظاهري للأحداث ليفضح منطق المصالح العميقة الة بالطاقة، وإقصاء الصين وروسيا، وإعادة ترتيب نصف الكرة الغربي وفق استراتيجية الأمن القومي الأميركي.
كما يناقش تآكل مفهوم القانون الدولي، وتحول “الرواية” إلى أداة سيادية لا تقل أهمية عن السلاح، في مرحلة انتقالية يتشكّل فيها نظام عالمي جديد تحكمه القوة لا القواعد. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:
ما سرّ هشاشتنا أمام السرديات الأميركية؟ ومن أين تأتي؟ مع أننا نملك، نظريًا، قدرًا وافرًا من “التجربة”. الجيل الأقدم تشكّل وعيه عبر هوليوود، والجيل الأوسط عبر ألعاب الكمبيوتر مثل Call of Duty وDelta Force، أما الجيل الأحدث فصار أسير الذكاء الاصطناعي. يبدو أن المشكلة تعود إلى طفولتنا إذًا.عملية فنزويلا كانت مُرقّعة إلى حدٍّ فاضح، ومخالِفة تمامًا لمنطق سير الحياة، إلى درجة أننا لم نُصدّق يومًا رواية أن مادورو كان مجرد “طلب جاهز” أو “خدمة توصيل… خذ واذهب”.
وعنادًا، لن أُسلم أنا أيضًا بسردية “دخلوا خلال ثلاث دقائق وخرجوا”.
ديميتري ميدفيديف، علق على العملية الأميركية ضد فنزويلا قائلًا: “لا يمكنكم إنكار أن سلوك ترامب، رغم كونه غير قانوني بشكل واضح، يتّسم بالاتساق. هو وفريقه صارمون للغاية في الدفاع عن المصالح القومية لبلادهم”.
جزء من هذا “الاتساق” الذي تراه روسيا في البيت الأبيض يستند إلى النهج التقليدي للسياسة الخارجية الأميركية في الاستيلاء على النفط والمعادن. أما الجزء الأعلى، فيرتكز على ما تقوله “استراتيجية الأمن القومي الأميركي”.
هذه الوثيقة تُحدّد بوضوح شديد أولويات الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية ونصف الكرة الغربي.
أول هذه الأولويات هو إقصاء الصين عن المنطقة. هذا هو السبب الرئيسي. فالتحالفات السياسية التي أقامتها بعض دول أميركا اللاتينية مع قوى خارجية تُعدّ غير مقبولة من وجهة نظر إدارة ترامب وخطتها العالمية. يجب على الولايات المتحدة أن تحافظ على موقعها المتفوّق هناك.
يأتي النفط والذهب بعد ذلك. وهما مهمّان لواشنطن لسببين: الطبيعة الخاصة للنفط الفنزويلي، الذي تتوافر التكنولوجيا اللازمة لمعالجته في الولايات المتحدة، ثم سعي الشركات النفطية الأميركية إلى تحصيل “ديونها وأطماعها” المتراكمة منذ الماضي عبر الهيمنة على البلد.
ثانيًا، لا تتبع الولايات المتحدة سياسة “طاقة عالمية” خاصة في هذه المنطقة فحسب، بل في أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط أيضًا، وتُعدّ فنزويلا جزءًا من هذه السياسة. أما قضايا المخدرات أو الهجرة فليست سوى ذرائع أدنى مرتبة.
كانت العملية الأميركية في فنزويلا متوقَّعة. قبلها بما لا يقل عن عشرة أيام، نُشرت مقالات علنية أحصت تحركات لافتة داخل الجيش الأميركي. وكانت الأخبار مفصّلة على نحو مدهش. السؤال الوحيد كان: متى؟
لم تكن هناك توقّعات تتعلّق بـ”الشكل”. فحتى اليوم، جرت العمليات التي استهدفت دولًا عادةً على هيئة “اضرب وعاقِب” أو “اضرب وأسقِط”. أما أن يُنتزَع رئيس دولة “من سريره”، أو يُلقى القبض عليه عند باب “غرفة الذعر”، ويُقاد مكبّلًا إلى السجن، فكان سابقة. وكان لذلك سبب.
السبب، أي سبب اختيار هذا “الشكل”، هو منع اندلاع حرب. قد يبدو الأمر غريبًا، لأن إسقاط رئيس دولة يُعدّ بحدّ ذاته “سببًا للحرب”. لكن فنزويلا، بعد ذهاب الرئيس، لم تكن تمتلك الإمكانات أو القدرات اللازمة لمواصلة المواجهة، فضلًا عن وجود قدر كبير من “الخيانة” داخل كراكاس، ما أسقط هذا الاحتمال.
فلو اقتصر التدخل على القصف وضرب المواقع الحساسة، لكان من الممكن أن تتطوّر آليات الدفاع الذاتي لفنزويلا، بل وربما تعزّز موقع مادورو، ويتحوّل الأمر إلى “حرب استنزاف” تكرهها إدارة ترامب، وتُذكّرها بتجربة أفغانستان التي انتقدتها بشدّة، مع ما يرافق ذلك من انتشار للفوضى وعدم الاستقرار.
كما أن الانهيار الاقتصادي في فنزويلا ضيّق هامش المقاومة ضد التدخل. فالفقر الناجم عن الثروة جرى تحميله لإدارة البلاد من قِبل الغرب. وكان في ذلك شيء من الحقيقة. لكن السبب الأساسي للتدهور الاقتصادي الحاد هو الحصار الأميركي الذي خنق فنزويلا، ومنعها من التنفس، وزاد النزيف. الولايات المتحدة خنقت اقتصادًا سيئ الإدارة أصلًا، وحوّلت السخط الاجتماعي الداخلي إلى حالة غير قابلة للضبط.
الصين وروسيا تنظران إلى المشهد بالطريقة نفسها: جعل غرينلاند وأميركا اللاتينية، سياسيًا واقتصاديًا ومن حيث الثروات الباطنية والوجود الجيوسياسي، منسجمة مع الولايات المتحدة.
تعاطي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فضلًا عن غيرها، مع “القانون الدولي” بوصفه مجرّد واجهة شكلية، بل وابتعادهم إلى حدّ الفرح بما حل بفنزويلا، يُنهي النقاش. كل ذلك يأتي ليؤكد القراءات التي تقول إن القانون الدولي قد مات بالفعل. نعم، ما جرى مخالف للقانون الدولي، وهو ظلم كامل من أوله إلى آخره. لكن في مرحلة الانتقال إلى نظام عالمي جديد، حيث يعمد الجميع إلى تحصين بيوتهم، لن يهتم أحد بما يحدث.
مهما كانت اللغة التي يستخدمها خطاب واشنطن عند الحديث عن فنزويلا و”الدول التالية”، فإن الحقيقة الأساسية هي تحصين قلعتها الخاصة، أو ما يراه البعض “القلعة الأخيرة”.
لا تقتصر المخاوف على كوبا أو كولومبيا، بل تشمل البرازيل والمكسيك أيضًا. لأنهم يرون بوضوح أن القضية ليست إسقاط نظام ديكتاتوري.
فنزويلا لم تستخدم شراكتها مع الصين لبناء تقارب سياسي فحسب، بل ذهبت أيضًا إلى إنشاء “إطار شراكة مالية”. حصلت على قروض مقابل النفط، وسدّدت نحو 60 مليار دولار عبر النفط نفسه. وهذا أحد أشكال الدفع خارج منظومة الدولار. وكان هذا بالضبط أحد أسباب الحصار الأميركي.
أي أن فهم الحالة الفنزويلية يتطلب تجاوز الخلافات الأيديولوجية، وتهريب المخدرات إذ يأتي نحو 15% من المواد غير المشروعة الداخلة إلى الولايات المتحدة من فنزويلا وحتى مسألة النفط.
السبب الأول لانزعاج الولايات المتحدة من فنزويلا، ومن أميركا اللاتينية عمومًا، هو تعاونها مع روسيا والصين وإيران. وهذا يرتبط بخطة إدارة ترامب لكيفية تشكّل العالم الجديد.
يُضاف إلى ذلك أن التيار المحافظ بات يتقدّم، عمومًا، في سياسات أميركا اللاتينية على حساب اليسار، وهو أمر تشجّعه إدارة ترامب.
أما الباقي، فهو رواية الولايات المتحدة، أي رواية الصيّاد. لا يُعرف مقدار ما تعكسه من الحقيقة. لكن المؤكّد أن فنزويلا بل أميركا اللاتينية بأكملها كانت منذ سنوات طويلة هدفًا دائمًا للاستخبارات الأميركية، إلى أن أصبح هذا الاستهداف بنية راسخة، وانتهى في العملية الأخيرة إلى “تفجير داخلي” وخيانة منظّمة.
وإلا، لما تجرّأت أميركا، “القوة التي لا تُقهَر”، ولا سيما ترامب قبل عشرة أشهر فقط من الانتخابات، على الإقدام على مغامرة بهذه الخطورة.
