اخبار تركيا

تناول مقال للكاتب والباحث في الشؤون التركية سمير العركي، مسار العلاقات التركيةالأميركية منذ تأسيسها الحديثة في أواخر أربعينيات القرن الماضي، مركّزًا على التناقض البنيوي بين التحالف العسكري الوثيق ضمن حلف الناتو، والتوتر السياسي المزمن الذي طبع العلاقة الثنائية.

يحلل الكاتب أسباب تعثّر الرهانات التركية على ولاية دونالد ترامب الثانية، رغم خصوصية العلاقة الشخصية بين قيادتي البلدين، مستعرضًا أبرز الملفات الخلافية العالقة، من أزمة منظومة إس400 وبرنامج إف35، إلى التعاون في مجال الطاقة، وقضية بنك خلق، والدور التركي المحتمل في غزة، إضافة إلى الوساطة في الحرب الأوكرانية.

كما يسعى إلى إبراز رؤية أنقرة لموقعها الجيوسياسي، ومحاولاتها إعادة ضبط العلاقة مع واشنطن في ظل إدراكها بأن تغيّر الإدارات الأميركية لا يعني بالضرورة تغيّر السياسات تجاه تركيا. وفيما يلي نص المقال الذي نشره موقع الجزيرة نت:

تأسست العلاقات التركية الأميركية الحديثة أواخر أربعينيات القرن الماضي، ورغم أن الدولتين ارتبطتا بتحالف عسكري وثيق عبر حلف شمال الأطلسي، فإن مستوى العلاقات البينية لم يكن على مستوى ذلك التحالف فتأرجحت صعودا وهبوطا.

في السنوات الأخيرة بلغت الخلافات بين الدولتين أقصاها، حيث إن تركيا اتهمت الولايات المتحدة بالتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز 2016، ثم أخذت في التصاعد في ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، على خلفية احتجاز أنقرة القس أندرو برانسون، بسبب اتهامات بالتعاون مع منظمات إرهابية، حيث رد ترامب على ذلك بفرض رسوم جمركية على واردات تركية، فيما شهد العام 2018 انخفاضا حادا لقيمة الليرة التركية، وصل إلى نحو 40% على خلفية ذلك النزاع.

هذا الاضطراب في العلاقات الثنائية، كان لافتا للأنظار، خاصة أن من يتعمق فيها يدرك حاجة الطرفين لبعضهما البعض، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وانتعاش الدور الإستراتيجي المهم لتركيا بالنسبة لحلف الناتو، والذي تراجع عقب انتهاء الحرب الباردة، وتفتت الاتحاد السوفياتي.

والملاحظ أن العلاقة بين أنقرة والإدارات الديمقراطية غالبا ما تتسم بالاضطراب بشكل عام.

فإلى جانب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، في ولاية الرئيس باراك أوباما، يتذكر الجميع كيف تعهد خلفه، جو بايدن، قبل الانتخابات الرئاسية 2023، بإسقاط الرئيس رجب طيب أردوغان.

كما اعترف بايدن في بادرة هي الأولى من رئيس أميركي عام 2021 بإبادة الأرمن في عهد الدولة العثمانية 1915، ويعد هذا الملف من المواضيع ذات الحساسية العالية لدى تركيا.

لذا كان المعول عليه داخل الحكومة التركية وفي الدوائر البحثية القريبة منها أن تشكل ولاية ترامب الثانية منعطفا مهما في العلاقات الأميركية التركية، خاصة مع خصوصية علاقة رئيسي البلدين على المستوى الشخصي.

لكن ورغم مرور أكثر من عام على تسلم ترامب مقاليد البيت الأبيض، لا تزال الملفات العالقة كما هي، إضافة إلى قضايا أخرى تمثل في مجملها حجر عثرة أمام سيولة العلاقات الثنائية، وتبقيها حتى الآن رهن التوتر.

الرؤية التركية لتطوير علاقات البلدين شرحها أردوغان في رده كتابيا على أسئلة وكالة بلومبيرغ في مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، حيث فصّل جميع القضايا محل الخلاف بين الدولتين.

“إف35” الحائرة

في عام 2017 وقرب نهاية ولاية ترامب الأولى، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تركيا في إطار قانون مكافحة أعداء أميركا “كاتسا”؛ بسبب شراء أنقرة منظومة الدفاع الجوي “إس400” من روسيا، عقب رفض إدارة أوباما، تزويد تركيا بمنظومة باتريوت الدفاعية.

ولم تكتفِ واشنطن بتلك العقوبات بل عادت عام 2019 في عهد إدارة بايدن، فقررت إخراج تركيا من برنامج تصنيع طائرة “إف35” للسبب ذاته.

ورغم كثرة المطالبات وتعدد المباحثات على مدار سنوات فإن الأزمة لم تبرح محلها، ما حمل أردوغان على التذكير بها مجددا، حيث وصف إخراج بلاده من برنامج تصنيع المقاتلة “إف35” بـ “القرار غير العادل”، مشيرا إلى أنه أبلغ نظيره الأميركي دونالد ترامب بذلك شخصيا، خلال لقائهما في البيت الأبيض في سبتمبر/أيلول 2025.

وبحسب تقارير صحفية تركية فإن أمام أنقرة ثلاثة سيناريوهات لحل الأزمة:

الأول: إعادة المنظومة مرة أخرى إلى روسيا، حيث تحدثت أنباء غير مؤكدة عن مناقشة أردوغان بوتين في هذا الصدد، خلال لقائهما في تركمانستان في ديسمبر/كانون الأول الماضي. وفيما نفى الكرملين تلك الأنباء، رفضت أنقرة التعليق عليها.

السيناريو الثاني يتمثل في عدم نشرها والاحتفاظ بها في المخازن مع التعهد بعدم استعمالها.

الثالث: أما السيناريو الأخير فهو إرسالها إلى دولة ثانية مثل أوكرانيا أو سوريا، علما بأن تركيا أعلنت من قبل رفضها إرسال المنظومة إلى أوكرانيا، لكنها لم تعلق حتى الآن على إمكانية نشرها في سوريا.

وفي تقديري أنه من الصعوبة بمكان أن تتخلى تركيا عن المنظومة لسببين:

الأول: اقترابها من امتلاك مقاتلة “قان” محلية الصنع، وهي طائرة تنتمي إلى مقاتلات الجيل الخامس، وقيل إنها ستتفوق على “إف35” من حيث القدرة والإمكانيات، كما نجحت أنقرة مؤخرا في شراء 24 طائرة مقاتلة “يوروفايتر تايفون” من بريطانيا وحلفائها، ما يعني أن حاجة تركيا الملحة للطائرة ستتضاءل مع مرور الأيام.

الثاني: إدراك تركيا أن الحجة التي تسوقها الولايات المتحدة لرفض امتلاكها المنظومة الروسية، وهي كونها لا تتوافق مع التكنولوجيا الخاصة بالناتو، وتشكل تهديدا للحلف، غير مقنعة.

فهناك ثلاث دول أعضاء في حلف الناتو، تمتلك منظومة الدفاع الروسية “إس300″، وهي اليونان، وبلغاريا، وسلوفاكيا، دون أي اعتراض من جانب واشنطن.

فالأمر إذًا يتعدى من وجهة نظر أنقرة تلك الحجة إلى رغبة أميركية واضحة في ترك تركيا دون منظومة دفاع جوي في مواجهة أي هجوم قد تتعرض له، الأمر الذي تعاظم مؤخرا بدخول إسرائيل على خط التهديدات الفعلية.

تعديل مسار الطاقة

ترتبط تركيا بعلاقات وثيقة مع روسيا في مجال الطاقة عززتها العديد من المشاريع والاتفاقيات المهمة.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، عبرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا عن التعاون بقولها:

“لقد بلغ التعاون في قطاع الطاقة مستوى إستراتيجيا حقيقيا. تُعد روسيا من أهم موردي الغاز الطبيعي لتركيا. وقد أصبح بناء محطة أكويو للطاقة مشروعا رائدا في مجال التكنولوجيا المتقدمة في قطاع الطاقة”.

لكن تركيا تدرك أن ترامب لن يسمح لروسيا بالتمدد في مجال الطاقة، وسيعمل على تحجيم صادراتها عبر فرض عقوبات على الدول المتعاونة معها.

لذا عمد أردوغان إلى التأكيد على أن “بلاده زادت إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال بشكل كبير، ولا سيما من الولايات المتحدة، مؤكدا أن ذلك يعزز موقع تركيا المهم ضمن سلسلة التوريد”.

وكان وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، أكد على هامش القمة العالمية للغاز الطبيعي المسال، التي انعقدت في إسطنبول في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أن شركة البترول التركية دخلت في محادثات متقدمة مع كبار منتجي الطاقة في الولايات المتحدة، بهدف شراء حصص في مشاريع أميركية للتنقيب والإنتاج.

هذا الانفتاح صوب الولايات المتحدة الغرض منه امتصاص غضب ترامب تجاه أي تعاون بين أنقرة وموسكو في هذا المجال، حيث تستعد تركيا لاستقبال 1500 شحنة من الغاز الأميركي خلال السنوات الـ10 إلى الـ15 المقبلة.

كما تراجع اعتماد تركيا على الغاز الروسي إلى أقل من 40% بعد أن كان يتجاوز 50% قبل سنوات قليلة.

لكن ليس من المنتظر أن تتطور هذه السياسة إلى إغلاق ملف الطاقة بالكلية مع روسيا في ظل احتياج تركيا لها، حيث تتولى روسيا بناء محطة أكويو النووية لتوليد الكهرباء التي تعول عليها تركيا كثيرا لتقليل الاعتماد على الغاز في هذا الصدد.

“بنك خلق” التوتر الصامت

تمثل قضية بنك “خلق” أحد ثلاثة بنوك مملوكة للدولة في تركيا بؤرة توتر في العلاقات التركية الأميركية.

فالقضية التي تفجرت عام 2019 تستند إلى ادعاء بأن البنك تحايل على العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على إيران، حيث يقدر حجم تحويلات الأموال التي تشكل جوهر هذه الاتهامات بنحو 20 مليار دولار، وفقا للائحة الاتهام الصادرة عن المدعي الفدرالي الأميركي.

لكن تركيا تقول إن تلك العقوبات غير ملزمة لها؛ لكونها لم تصدر عن مجلس الأمن، بل هي عقوبات أميركية، تخص الولايات المتحدة وحدها.

القضية أدت إلى أضرار بالغة بسمعة البنك وموقفه المالي، حيث يعد واحدا من الركائز الحكومية المهمة في النظام المالي العام.

لذا أعاد أردوغان التذكير بالقضية، مؤكدا على أن “بلاده ترى هذه الادعاءات غير صحيحة”، مشيرا إلى وجود محادثات مع الولايات المتحدة لضمان ألا يواجه المصرف “عقوبات غير عادلة”.

القوات التركية في غزة

لا يزال تمثيل تركيا في قوات حفظ السلام في قطاع غزة محل شد وجذب وعدم حسم حتى كتابة هذه الأسطر.

فالولايات المتحدة تميل إلى السماح بإدخال القوات التركية إلى القطاع، وترى أنه سيكون لها دور بارز في تحقيق أهداف خطة ترامب للسلام، فيما تصر الحكومة الإسرائيلية على الرفض خشية أن تصب تلك الخطوة في دعم حركة حماس وجناحها العسكري مجددا.

فوفق الإعلام الإسرائيلي، فإن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، استنفد محاولاته في إقناع ترامب بعدم السماح بإدخال القوات التركية إلى قطاع غزة، وصار القرار النهائي الآن في البيت الأبيض.

من هنا أعاد أردوغان تذكير واشنطن بأهمية وجود بلاده في القطاع بقوله: “بفضل الروابط التاريخية العميقة التي تجمعنا بالجانب الفلسطيني، وقنوات الأمن والدبلوماسية التي أدرناها سابقا مع إسرائيل، إلى جانب تأثيرنا الإقليمي بوصفنا عضوا في حلف الناتو، فإن تركيا تتمتع بدور محوري في مهمة كهذه”.

الوساطة في أوكرانيا

تعول الإدارة الأميركية على تركيا للعب دور الوساطة من أجل إنهاء الحرب في أوكرانيا.

إذ يحسب لأنقرة اتباعها نهجا دبلوماسيا متوازنا منذ اندلاع الأزمة، حافظت من خلاله على العلاقة بين الطرفين، ووقفت على مسافة واحدة منهما.

هذا النهج ساعدها على جمعهما على طاولة المفاوضات، وكادت أن تنجح في إنهاء الأزمة مبكرا عام 2022 من خلال اتفاقية إسطنبول التي وقعها الطرفان لولا التدخلات الخارجية التي أفسدتها فيما بعد.

كما نجحت أنقرة بالتعاون مع الأمم المتحدة في التوصل إلى اتفاقية الحبوب في يوليو/تموز 2022.

لذا أكد أردوغان مجددا أن بلاده “هي الجهة الوحيدة القادرة على التحدث مباشرة مع كل من الرئيسين؛ الروسي، والأوكراني”.

الخلاصة

مما سبق يتضح أن معاناة الحلفاء في التعامل مع الولايات المتحدة ربما لا تقل عن معاناة الخصوم.

من هنا ستبذل تركيا جهودا مضاعفة هذا العام لإيجاد حلول ناجزة لهذه الملفات محل الخلافات حتى لا تتسرب فترة ترامب الثانية من بين أصابعها دون إحراز أي تقدم، وتفاجأ بعودة الديمقراطيين مجددا إلى البيت الأبيض وفي جعبتهم رؤى سلبية وسيئة تجاه أنقرة.

شاركها.