خطيب بدلة

يجدر بنا، نحن أبناء هذه المنطقة العجيبة، من هذا العالم العجيب، أن نوقع “عريضة” شكر وامتنان لعلماء الغرب، لأنهم اخترعوا لنا الإنترنت، ثم أحدثوا لنا منصات التواصل الاجتماعي، فجعلونا قادرين على قول ما نشاء متى نشاء، دون قيود أو ضوابط أو معايير.

قبل هذه الاختراعات العظيمة، لم يكن أي واحد منا يستطيع التعبير عن رأيه، وإيصال رأيه إلى الملأ، إلا إذا كان أديبًا، أو مفكرًا، أو صحفيًا، ذا صلة بواحدة من الصحف المحلية القليلة المتوفرة.. وأحيانًا كان النشر، في الصحف والمجلات صعبًا، حتى على الأدباء، والمفكرين، والصحفيين، يحتاج إلى نوع من الواسطة، أو الرشوة، وقد يرسل أحد الكتّاب مادته الصحفية إلى إحدى الصحف، ويفاجَأ بأنهم نشروها في بريد القراء، وهذا لا يليق به، بالطبع.. وأما اليوم، فقد أصبح في مقدور الإنسان أن يُحدث لنفسه أكثر من حساب، على “فيسبوك”، و”تلجرام”، و”إنستجرام”، و”يوتيوب”، و”تيك توك”… وحتى لو كان شبه أمي، يمتلك الحق، والحرية في أن ينشر صورته، أو يكتب “صباح الخير لأصحاب القلوب الطيبة”، أو “اليوم بدنا نتغدى بره البيت”! ومع أنه لا يعرف من السياسة أكثر من “سياسة الخيول”، يستطيع أن يسب على أكبر قائد سياسي، وأكبر مثقف، وأكبر فيلسوف، دون أن يفكر، ولو للحظة، بأن عمله هذا ينتمي إلى جنس العيب، وفعل التخريب، يسبه بسهولة، وبساطة، ويذهب لاستئناف أعماله اليومية، وبراءة الأطفال في عينيه.

لست ضد هذا النوع من الحرية الواسعة، بالطبع، ولكنني أطمح إلى أن تؤدي الحرية التي أتاحتها لنا الاختراعات الغربية، وهذه السهولة في الكتابة والانتشار، إلى رفع السوية الثقافية والفكرية في المجتمع، لأن الإسفاف في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يؤدي إلى خفض السوية التي كانت موجودة أصلًا، فثقافة الإنسان غير المختص، تكاد أن تقتصر على ما قرأه، ذات يوم، على قفا ورقة الروزنامة، فتراه يختصر رجلًا ذا تاريخ نضالي عمره 40 سنة، بكلمتين من قبيل: أنت إمعة، أو “أنت جحش معبا ببنطلون”، أو يقول له: ما هكذا تورد الإبل، أو خانتك العبارة، أو: “إبكي بترتاح”، أو: إذا لم تقف مع الحق فلا تصفق للباطل، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وهذا يوقع ذلك المثقف في أزمة معانٍ، وتعريفات، ويتذكر ما قاله المفكر الفرنسي فولتير: إذا أردتَ أن أفهمك، عليك أن تحدد مصطلحاتك.

لو دخلنا، نحن أبناء هذه البلاد، في عالم تحديد المصطلحات، الذي حكى عنه فولتير، لوجدنا أنفسنا أمام أسئلة تدخلنا في متاهة حقيقية: ما الحق؟ ما الباطل؟ مَن الذي يحدد أن هذا الموقف يمثل الحق، وأن نقيضه يمثل الباطل؟ وما المقصود بتلك المقولة الإنشائية القديمة “للباطل جولة، وللحق صولة”؟ وكيف يطلبون منا أن نعرف كيف تورد الإبل، إذا كنا لم نرَ الإبل طوال حياتنا؟ وهل يوجد شيطان ناطق، وآخر أخرس؟

هذه العبارات تنفع، كما أرى، في شيء واحد، هو تمييع القضايا، وتشويش العقول، وبدلًا من أن تقدم للمتابع علمًا، تزيده جهلًا وتشوشًا وضياعًا.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.