خالد بن حمد الرواحي
سبق أن تناولتُ في مقال بعنوان «خوارزميات وظيفية» جانبًا من التحديات التي يواجهها الموظف داخل المؤسسة، وتحديدًا القواعد غير المكتوبة التي تتحكّم في حركة الأداء والعلاقات داخل بيئة العمل. في هذا المقال أواصل الحديث من زاوية أخرى، أركّز فيها على ما يحتاجه الموظف الجديد لفهم بيئة العمل نفسها، وكيف يتعامل معها بوعيٍ ونضج، بعيدًا عن التوقّعات المثالية التي كثيرًا ما تصطدم بالواقع في أولى خطواته الوظيفية.
يدخل كثيرٌ من الموظفين الجدد إلى مؤسساتهم الأولى وهم يحملون توقّعاتٍ جميلة عن التعاون، والدعم، والبيئة الإنسانية. بعض هذه التوقّعات صحيح، لكن كثيرًا منها يصطدم سريعًا بواقعٍ مختلف: أن المؤسسة، في جوهرها، نظامُ أدوارٍ ومسؤوليات، لا مساحةُ علاقاتٍ شخصية، ولا شبكةُ عواطف.
هذه الحقيقة لا تعني أن بيئة العمل قاسية أو عدائية، بل تعني أنها بيئة لها منطقها الخاص، وقوانينها غير المكتوبة، التي من المفيد أن يفهمها الموظف مبكرًا لا ليخاف منها، بل ليعمل داخلها بوعيٍ ونضج.
أول هذه القواعد أن العمل ليس امتدادًا للحياة الخاصة. مشكلاتك الشخصية، همومك، أسرارك، وخلافاتك العائلية كلها مكانها الطبيعي خارج أسوار المؤسسة. ليس لأن أحدًا لا يهتم؛ بل لأن لكل إنسان ما يكفيه من تحدياته، ولأن خلط الخاص بالوظيفي غالبًا ما يُربك الحدود بدل أن يحميها.
القاعدة الثانية: ليس كل ما يُتداوَل يُقال في العمل. نقل الكلام، التعليق على الأشخاص بأسمائهم، نقد المديرين أو الزملاء في المجالس الجانبية، أو مشاركة الآراء الحادّة خارج إطارها الوظيفي… كلها أشياء قد تبدو عابرة، لكنها تُسجَّل في الذاكرة المؤسسية، وتعود غالبًا في وقتٍ غير مناسب. التحفّظ الواعي ليس ضعفًا، بل وعيٌ في اختيار التوقيت والمكان.
القاعدة الثالثة: كن متعاونًا… لكن لا تكن بلا حدود. التعاون روح العمل، غير أن الذوبان الكامل فيه يُفقدك توازنك. زملاؤك شركاء في الإنجاز، لا خصوم، وهم أيضًا ليسوا امتدادًا لك ولا مسؤولين عن حمايتك. احفظ المسافة الصحية التي تتيح الاحترام، وتمنع الاستغلال، وتحافظ على كرامتك الوظيفية.
والأمر نفسه ينطبق على المبادرات والأفكار. نعم، المؤسسة تحتاج أصحاب المبادرة، لكنها تحتاج الوضوح أيضًا. حين تحمل فكرة جيدة، وثّقها، اعرضها في إطار رسمي، واحفظ نسبتها بطريقة مؤسسية. ليس خوفًا من الآخرين، بل احترامًا لجهدك وحمايةً لحقك الطبيعي في أن يُنسب لك ما تصنعه.
أما الأخطاء، والتأخير، والتسويف، فليست دائمًا مرئية فورًا… لكنها لا تضيع. النظام يتذكّر أكثر مما نتصوّر، والمصالح تتغيّر، والوجوه تتبدّل، وما يبدو اليوم متجاوزًا قد يصبح غدًا مجرّد ورقة في ملف. ولهذا، العمل الجيد ليس ما نفعله حين يُنظر إلينا، بل ما نفعله حين لا يراقبنا أحد.
وأخيرًا وربما هذه أهم نصيحة تذكّر أن العمل جزء مهم من حياتك، لكنه ليس حياتك كلها. المؤسسات تستمر، والمكاتب تتبدّل، والملفات تنتقل، والأسماء تُزال من على الأبواب… لكن هناك دائرة واحدة لا تُستبدل: من ينتظرونك خارج أسوار العمل. فلا تمنح الوظيفة روحك كلّها، ولا تجعلها تأخذ منك ما لا تستطيع أن تعيده.
النجاح الوظيفي الحقيقي ليس أن تحمي نفسك من المؤسسة، ولا أن تتوجّس منها، بل أن تفهمها جيدًا، وتعمل فيها بوعي، وبحدود واضحة، وبقيمة مضافة، دون أن تفقد إنسانيتك… ولا أن تترك ذاتك على باب المكتب كل صباح.
