اخبار تركيا
تناول مقال للكاتب والمفكر التركي يوسف قابلان، حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته بوصفها مثالًا كاشفًا لطبيعة النظام الغربي المعاصر، حيث يُختزل القانون إلى أداة قسر، وتُفرغ مفاهيم الحقوق والحرية من معناها الحقيقي.
ينطلق الكاتب في مقاله بصحيفة يني شفق من هذا الحدث ليقدّم نقدًا جذريًا للحضارة الغربية، واصفًا إياها بـ«الحضارة المتوحشة» التي تتخفّى خلف خطاب أخلاقي وإنساني بينما تمارس منطق القوة وقانون الغاب.
كما يعالج الجذور الفلسفية والثقافية لهذا السلوك، من اختزال العقل إلى تأليه الأدوات وبناء الهوية عبر شيطنة الآخر، ليخلص إلى أن الغرب لم يبلغ بعد مرحلة النضج الإنساني، وأن العالم بحاجة إلى التحرر من هيمنة هذا النموذج الحضاري القائم على العنف المقنّع.
وفيما يلي نص المقال:
اختطاف إدارة ترامب في الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في عملية مرعبة منتصف الليل، كما لو كان من زعماء المافيا، ونقلهم إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهم، على الرغم من أنه لا يلتزم بأي قاعدة قانونية أو أدب دبلوماسي، إلا أن النظام الرأسمالي هو كذلك: نظام دارويني، يرى أن القوي على حق، ونظام عصابي يسوده قانون الغاب.
اختطاف مادورو يوضح لنا قليلاً طبيعة النظام الرأسمالي: القانون في الغرب ما هو إلا آلة لحماية النظام وأصحابه؛ آلة مسلحة، تجعل أي نوع من الوحشية والقسوة والاستبداد والاستغلال مشروعاً دون النظر لدموع أحد، ويطلقون على ذلك اسم “الحضارة”، هل فهمتم!
الحضارة المتوحشة
تمامًا كما في العنوان الأصلي لكتاب ميستروفيتش The Barbarian Temperament، الذي ترجمناه في كتاب “أوزينيم” إلى «الحضارة المتوحشة». (وبالمناسبة، ميستروفيتش أعرب عن رضاه، وقال إن هذا العنوان أفضل من عنوانه الأصلي عندما أخبرناه بأننا سنعتمده عند نشر الكتاب).
نعم، هذا هو بالضبط معنى الحضارة المتوحشة: تجد غطاءً، تضبطه على كتابك، ثم تتحدث عن الحق والقانون والحرية والإنسانية وحقوق الإنسان… كل ذلك مجرد خطاب بلاغي. أنت تعرف أنك لا تؤمن بما تقول، وأنت وحدك تدرك أنك تمارس الكلام الفارغ.
فبالنهاية، لقبك هو “سارق الخيول”!
أنتم لا ترهبون مادورو وزوجته فقط، بل ترهبون كل دول أمريكا اللاتينية، وكل الدول التي لن ترضخ لكم في العالم، وكل قادتها.
الغرب لم ينجح أبدًا في بناء نظام يمكن للبشرية أن تعيش فيه بكرامة. كل الأنظمة التي أسسها كانت قائمة على القهر والاستغلال، متخفية في ثياب الحضارة، حضارة بواجهتها، ووحشية من داخلها.
نظامهم السياسي هكذا: لا حقوق ولا قوانين لمن هم خارجهم. كما كان 60% من شعب أثينا عبيداً لأنهم لم يكونوا يونانيين أو بيض!
ونظامهم الثقافي كذلك: لا يعرفون كيف يعيش الآخر المختلف عنهم في سلام، بل يعتبرون كل من ليس يونانياً/رومياً/أوروبياً همجياً، ويستبعدون، ويشيطنون جميع الثقافات والأديان والفلسفات المختلفة.
حضارة لم تبلغ سن الرشد بعد
لماذا يرى الغربيون من هم خارجهم همجاً، ولماذا لم يستطيعوا بناء عالم إنساني؟ الجواب: الإنسان غائب في الغرب. لم يصلوا بعد إلى مرحلة الإنسانية الحقيقية. ما زالوا عبيداً لشهواتهم، للأدوات، لأعمالهم.
لنصف حالهم كما قال كانط عن أتباعه: الغرب لم يبلغ بعد سن المراهقة. كانت رؤية كانط ومن تبعه أن الإنسان سيصل إلى مرحلة النضج العقلي مع الحداثة، لكنهم فهموا العقل بشكل محدود للغاية: عقل يعتمد على القياس والقص والاختزال، وليس العقل بمعناه الكامل للمعقولية والاعتدال.
من هنا نرى أن الغربيين عاشوا منذ بداية القصة الحديثة وحتى اليوم في عالم من الخيال والاختراعات: يخترعون شيئاً ثم يؤمنون به. لم يفهموا العقل.
لذلك اخترعوا نوعاً محدوداً من العقل، مستوحى من ديفيد هيوم (بتأثير الغزالي) الذي قال: “العقل عبد للأحاسيس”. لم يفهموا الإنسان، ولا الحياة، ولا العالم، ولا الله. حاولوا تأليه الإنسان، ثم جعلوه عبدًا للآلة والأدوات.
تعريف الذات من خلال “الآخر السيء”
لهذا لديهم فراغ داخلي، كما وصفه اللاكان بـ “lack”. فاخترعوا لأنفسهم هويات مصطنعة، واعتنقوها كشخصياتهم. وهم يعرفون أنفسهم ليس بما هم عليه، بل بما ليسوا عليه؛ أي من خلال الآخرين، عبر الآخر السيء والمخيف.
لم يدركوا الحقيقة، ولا حقيقة الإنسان، ولا حقيقة العالم. اخترعوا حقائق مزيفة وآمنوا بها. اخترعوا ديانات مزيفة. أفضل من شرح هذا لنا هو لوك فيري: اخترعوا الأمة والعلمانية والإيديولوجيات السياسية ورفعوها إلى مرتبة الدين.
الغرب لم يخرج أبداً من مرحلة الطفولة إلى المراهقة، ولم ينضج أبداً، ولا يبدو أنهم سينضجون مستقبلاً.
اختطاف مادورو وزوجته في منتصف الليل ونقلهم قسراً إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهم يذكّر البشرية كلها بأن العالم بحاجة للحرية من هؤلاء “الحضاريين المتوحشين”.
