د. سالم بن حسن الشنفري **
يُعد قطاع الاتصالات من أكثر القطاعات أهمية وحيوية وتأثيرا في الاقتصاد الوطني والعالمي والتَّواصل المجتمعي، إذ لم يعد مجرد وسيلة للتواصل؛ بل أصبح ركيزة أساسية للاقتصاد الرقمي ومحركا رئيسيا للتنمية الشاملة. فمن خلاله تلاشت الحدود الحغرافية وتحول العالم إلى قرية واحدة، وتطورت الأعمال والخدمات والتعليم والصحة.
ونظرا لهذا الدور المحوري والحساس برزت أهمية إنشاء هيئات تنظيم الاتصالات على مستوى العالم عموما وفي سلطنة عُمان على وجه الخصوص عام 2000 كمرحلة متطورة، ومتقدمة في عملية تنظيم قطاع الاتصالات، فرضتها بالضرورة أسباب اقتصادية وسياسية، وهو ما شكّل اللبنة الأساسية في خصخصة قطاع الاتصالات والتحول إلى فتح السوق للاستثمار الأجنبي في القطاع، وقد ترتب على إنشاء هذه الهيئات عملية تشريعية مُتميزة ومستمرة، في سبيل التنظيم الأمثل والمستمر لهذا القطاع، بما يواكب الطبيعة الديناميكية المتطورة لسوق الاتصالات محليًا كان أو عالميًا.
وقد أصبح استقلال هيئات تنظيم الاتصالات عن الوزارات السيادية أحد المرتكزات الأساسية لبناء قطاع اتصالات كفؤ، وتنافسي، ومحايد، لا سيما في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها هذا القطاع الحيوي، وما يرتبط به من أبعاد اقتصادية وأمنية وتنموية متشابكة.
قطاع الاتصالات لم يعد مجرد خدمة تقنية، بل غدا بنية أساسية سيادية للاقتصاد الرقمي، ومحركًا رئيسيًا للنمو، وجاذبًا للاستثمار، وأداة تمكين لمختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية. ومن هذا المنطلق، فإن الجهة التي تتولى تنظيمه يجب أن تتمتع بأعلى درجات الاستقلال المؤسسي والحياد المهني، بعيدًا عن التأثيرات التنفيذية أو تضارب المصالح أو التدخل الخارجي في الشأن التنظيمي.
لقد جاء التوجه العالمي نحو إنشاء والتأكيد على استقلالية هيئات تنظيم الاتصالات مُنذ مطلع الألفية الجديدة، وتحديدا منذ العام 2002، في حالة هيئة تنظيم الاتصالات في سلطنة عُمان، استجابةً لمُتطلبات تحرير الأسواق وتعزيز المُنافسة العادلة، وكذلك التزامًا بما نصّت عليه الاتفاقيات التجارية الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، واتفاقيات التجارة الحرة الثنائية، ومنها اتفاقية التجارة الحُرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي أكدت صراحة على ضرورة وجود جهة تنظيمية مستقلة، لا تخضع لإدارة أو توجيه الجهة المالكة أو المشغّلة.
إنَّ إخضاع هيئات تنظيم الاتصالات للوزارات السيادية، أو تقييد صلاحياتها، أو الحد من استقلاليتها المالية والإدارية، يُفضي بالضرورة إلى الإخلال بمبدأ حيادية التنظيم، ويضعف ثقة المستثمرين، ويشوّه بيئة المنافسة، إذ تصبح الجهة المنظمة طرفًا غير محايد في سوق يُفترض أن تنظمه لا أن تنافس فيه أو تميل لأحد أطرافه، وإنه يتعين على الوزارات السيادية أن يقتصر دورها فقط على رسم السياسات العامة للقطاع.
كما أن استقلال الهيئة التنظيمية يُمكِّنها من اتخاذ قرارات فنية وتنظيمية قائمة على أسس مهنية واقتصادية بحتة، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية أو الضغوط التنفيذية الآنية، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة الخدمات، وحماية حقوق المستهلك، وتحفيز الابتكار، وضمان النَّفاذ العادل للبنية الأساسية.
ولا يقلّ البعد المؤسسي أهمية عن البعد التنظيمي، إذ إن الهيئات المستقلة غالبًا ما تتمتع بهياكل حوكمة أوضح، وآليات مساءلة أكثر شفافية، وقدرة أعلى على استقطاب الكفاءات المتخصصة، ومواكبة التطورات التقنية المتلاحقة في مجالات مثل الجيل الخامس، وإنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي وغيرها.
ولا يكتمل استقلال الهيئات التنظيمية دون ترسيخ استقلالها المالي والإداري، بما يضمن قدرتها على أداء مهامها بكفاءة وحياد. فالاعتماد المالي أو الإداري على جهات تنفيذية أو خَاضعة للتنظيم العام، يُفرغ الاستقلال من مضمونه، ويُقيّد فاعلية القرار التنظيمي. ومن هنا تبرز أهمية أن تتمتع الهيئات بموازنات مستقلة، وصلاحيات إدارية كاملة، إلى جانب سلم وظيفي مُحفّز يستوعب طبيعة الدور الرقابي والتنظيمي عالي الحساسية، ويوفر مزايا وظيفية تفوق أو على الأقل توازي تلك الممنوحة لموظفي شركات الاتصالات الخاضعة للتنظيم، بما يكفل استقطاب الكفاءات، ومنع تسرب الخبرات، وتحصين القرار التنظيمي من أي تأثيرات أو إغراءات خارجية.
ختامًا.. إنَّ استقلال هيئات تنظيم الاتصالات لم يُعد ترفًا تشريعيًا أو خيارًا إداريًا، بل هو ضرورة تنظيمية واقتصادية تفرضها متطلبات السوق، والتزامات الاتفاقيات الدولية، وتجارب الدول التي أثبتت أنَّ التنظيم المُحايد والمُستقل هو الطريق الأمثل لبناء قطاع اتصالات قوي، تنافسي، ومستدام، يخدم الدولة والمجتمع والاقتصاد على حدٍ سواء.
** كاتب في القضايا الاقتصادية
