د. مجدي العفيفي
(1)
نعم، يحكم التافهون.. لا لأنهم أقوياء، بل لأن العظماء صمتوا، أو أُنهكوا، أو أُقصوا كي يفسحوا المجال للرداءة كي تتوّج نفسها ملكة على العرش.
لقد صار زمننا “زمن الرداءة”، حيث يتكلّم الصغار في مقامات الكبار، وتُكافأ التفاهة لأنها «سهلة الهضم» في زمن المعدة لا في زمن العقل.
لكن يبقى السؤال الذي يشعل القلم: هل هو قدرٌ محتوم أن يحكم التافهون؟ أم نتيجةُ غيابٍ طويلٍ للعقول النارية التي كانت تحرق الأكاذيب بنور الحقيقة؟
التافهون يحكمون العالم.. نعم، بكل صفاقةٍ وابتسامةٍ بلا عقل، يحكمون العالم!
ليس لأنهم أقوى، بل لأن الكبار تعبوا من الصراخ في وجه الطوفان،
ولأن الذكاء في زمننا أصبح تهمةً، والفكر جريمةً، والكرامة نوعًا من الانتحار الأدبي والسياسي.
يحكم التافهون لأن الشعوب رضيت أن تُدار كإعلانات، تُباع وتُشترى بموسيقى رخيصة، و”ترندات” مصنوعة في مطابخ المخابرات.
يحكم التافهون لأنهم بلا ذاكرة.. والعالم اليوم لا يريد ذاكرة، بل يريد تسلية.
صار رئيس الدولة نجمًا على «تويتر»!
وصار المفكر مجرد “محتوى لا يتفاعل”!
صار القرار يُصاغ بلغة البورصة لا بلغة العدالة، وصار الإعلام يعبد الغباء لأنه أكثر رواجًا من الحقيقة.
يحكم التافهون لأننا نحن العارفين، النابهين، تركنا الميدان للبهلوانات، ظنًّا منا أن الضجيج لا ينتصر.. لكنه انتصر.. وانتصر لأننا نسينا أن السكون، في زمن التفاهة، نوعٌ من الخيانة.
(2)
لم يعد العالم بحاجة إلى براهين جديدة على سقوطه الأخلاقي والفكري، فالمشهد اليوم أبلغ من أي بيان: التافهون يحكمون العالم، والعظماء يُحاكمون بتهمة العمق.
لم تعد القيادة تحتاج فكرًا، بل «إطلالة»؛ ولا السلطة تحتاج كفاءة، بل قدرة على تلميع الصورة، ورفع الصوت، وتوزيع الابتسامات المزيفة على الجماهير المخدَّرة.
لقد انتهى زمن القادة الذين يصنعون التاريخ، وبدأ زمن «المديرين» الذين يديرون التفاهة كما تُدار قناة على «يوتيوب».
العالم اليوم لا يُقاد بالعقل، بل يُسوَّق بالعواطف المعلّبة.
منصّات التواصل أصبحت مصانع للغوغاء، والغوغاء صاروا الرأي العام،
والرأي العام صار القانون، والقانون صار لعبة في يد التافهين.
(3)
في هذا الزمن الرديء، السطحية تاجٌ.. والضجيج مَلكٌ.. والمحتوى الهابط دستورٌ.
ترى السياسي يتحدث بلسان المسوّق..
والمفكر يتراجع خوفًا من إلغاء حسابه..
والشعب يصفّق للمهرّج لأنه «خفيف الظل» ولو كان غبيًّا قاتلًا.
كل شيء انقلب في هندسة القيم: صار التفاهة ذكاءً، وصار الذكاء استعلاءً، وصار الصمت خيانةً.
في الماضي، كانت الأمم تنهض بالعقول النارية، أما اليوم فالأمم تُدار بالمنشورات و«الهاشتاجات».
صار الرأي يُقاس بعدد الإعجابات، لا بعدد الحقائق.
وصار صوت العقول يُغرقه وابلٌ من الهراء اليوميّ الذي يُسكّن الوعي كما تُسكّن المخدرات الألم.
(4)
يحكم التافهون لأنهم أخطر أنواع الفراغ: فراغ يبتسم، يتكلم، ويُقنعك أنه ممتلئ!
إنهم لا يملكون فكرًا، بل أدوات.
ولا يحملون رؤية، بل أجندات.
إنهم يُديرون العالم كما يُدير طفلٌ لعبة إلكترونية، يضغط الأزرار دون أن يدرك أنه يُفجّر الكوكب.
والأخطر من كل ذلك أن التفاهة لم تعد استثناءً، بل أصبحت نظامًا.
نظامًا يُنتج تافهين، يُكافئهم، ويرتقي بهم إلى العروش.
هكذا سقطت الحضارة لا تحت ضربات الأعداء بل تحت ضحكات الحمقى.
يا هذا العالم المليء بالضجيج، لا تحتاج إلى مزيد من الترفيه، بل إلى صفعة وعي.
لأن الخطر لم يعد في أن يحكمك جاهل، بل أن تُقنعك وسائل الإعلام أن جهله «واقعية» وأن حكمه «حكمة».
(5)
«كيف تصعد التفاهة إلى العرش؟»
لم تهبط التفاهة على العروش مصادفة.. بل صعدت إليها على سلالمٍ بناها الخوفُ والفراغُ والجهلُ والتسويق.. فالعالم الحديث لم يُنتج التافهين فقط، بل صمّم لهم طريقًا مُعبّدًا بالتصفيق، ومكّنهُم من كل أدوات الإقناع البصري واللغوي حتى صار الغباءُ مُلمّعًا، والصراخُ حُجةً، والابتسامةُ الرخيصةُ برنامجَ حكمٍ شامل.
الإعلام المعبدُ الأكبر للسطحية: الإعلام لم يعد ناقلًا للحقائق، بل صانعًا للوعي الزائف.
إنه يُعيد تشكيل العقول وفق مقاييس “الترند”، ويمنح البطولة لمن يملأ الشاشة، لا لمن يملأ الفكرة.
حين ينهض تافهٌ من نومه، يجد الكاميرا جاهزة، والمحرر مُطيعًا، والجمهور في الانتظار.
أما العقول الحقيقية، فتُقصى لأنها لا تصلح «للمشاهدة الجماهيرية».
صار الإعلام يرفع الأجوف لأنه صاخب، ويُسقط العميق لأنه صامت.
هكذا تُصنع الزعامات: في استوديوهات التزييف لا في ساحات التاريخ.
رأس المال ممولُ التفاهة وحارسها: المال في هذا العصر لا يبحث عن الفكر، بل عن العائد السريع.
ولأن التفاهة تُباع بسهولة، ولأن الوعي لا يُسوَّق في الأسواق، صارت شركات الإعلان والتمويل الثقافي تُغذّي الصغار، وتُقصي الكبار لأن الكبار لا يُشترَون.
لقد تواطأ رأس المال مع الجهل، فأنجبا معًا هذا الوحش الإعلامي الذي يرقص على أنقاض العقل.
إنهم يعرفون أن القطيع لا يُسائل، وأن الجمهور المبهور لا يثور.
(6)
التعليم معمل استنساخ الصغار
أُفرغ التعليم من روحه حتى صار تدريبًا على الطاعة، لا تدريبًا على التفكير. منذ الطفولة يُلقَّن الإنسان أن يكرّر، لا أن يَبتكر.. أن يرضى، لا أن يحتجّ.. أن يجيب وفق المقرر، لا وفق الضمير.
هكذا يُصنع المواطن المثالي في زمن التفاهة: كائنٌ مطيعٌ، يُجيد الحفظ، ويخاف من السؤال.
ولذلك، حين يكبر، لا يرى في الحاكم التافه كارثة، بل «قدَرًا طبيعيًا»؛ لأن المدرسة علّمته الخضوع كفضيلة.
الجماهير حين يصبح الصمتُ تصويتًا: التافهون لا يصعدون وحدهم، بل تُرفعهم الجماهير على أكتافها.
الجماهير التي فقدت شهيتها للحرية، واستبدلت الوعي بالترفيه، والكرامة بالمتابعة، والفكر بالإعجاب.. لم تعد الجماهير تريد من الحاكم عدلًا، بل “عرضًا جيدًا”، ولا من المفكر نورًا، بل “إثارةً جديدة”.. وهكذا، ببطءٍ لئيم، صار الغباء مطلبًا شعبيًا، وصارت التفاهة «خيارًا ديمقراطيًا» تُكرّسه صناديق الاقتراع.
المثقفون الخيانة بالصمت: أجل، يجب أن نواجه الحقيقة الموجعة: التافهون لم ينتصروا إلا لأن المثقفين تراجعوا.. بعضهم خاف، وبعضهم باع، وبعضهم انشغل بنقد بعضه.. تركوا الميدان فارغًا، فدخلته الحشرات.
تركوا المنابر صامتة، فصعد عليها المهرّجون.
حين يصمت العظماء، تتكلم الأقزام بثقة الملوك.
وحين يتعب المفكر من الشرح، يبدأ الجاهل بإلقاء الخطب.
وهكذا، صعدت التفاهة إلى العرش لا على أكتاف العبقرية، بل على أكتاف الصمت الجمعي، والتخدير الإعلامي، والجهل المنهجي.
التفاهة لم تنتصر لأنها قوية، بل لأن الكبار لم يعودوا يقاتلون.
(7)
ولأنني لا أكتب بالحبر؛ بل بالدم، ولا أفكر بعقلٍ بارد؛ بل بضميرٍ مشتعل يرى العالم كما هو: منكوس القيم، مقلوب الهرم، تتربع فيه التفاهة على العروش وتُصلب فيه النبالة.
فما يزال في القول بقيّة، فـ”زمن التفاهة” لا يُكتَب في فقرة، بل يُعرّى على مراحل، كل مرحلة خنجر، وكل خنجر فصل من كتاب الحقيقة.
