عندما اندلعت احتجاجات في “بازار” طهران، السوق الرئيسي بالعاصمة، قبيل نهاية العام الماضي، على خلفية انهيار سعر العملة الإيرانية، كانت مؤشرات تصاعد الغضب الشعبي متوقعة، ولا سيما في ظل معدلات تضخم عالية، وذلك قبل أن تمتد الاحتجاجات خلال أيام قليلة إلى مناطق مختلفة من البلاد.

لكن أخطر إشارة على أن الأوضاع في إيران كانت على وشك الانهيار لم تأت من غضب المعارضة، ولا من تطلعات الشباب المحبطين الساعين إلى مزيد من الحريات، بل جاءت من انهيار أحد البنوك.

في أواخر العام الماضي، انهار بنك “آينده”، الذي كان يُدار من قبل مقربين من النظام ويعاني خسائر تقارب خمسة مليارات دولار نتيجة تراكم الديون، وفق تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”.

ودمجت الحكومة ما تبقى من البنك في أحد المصارف الحكومية، وطبعت كميات هائلة من النقود في محاولة لطمس الخسائر المتراكمة. وقد أخفى ذلك المشكلة مؤقتاً، لكنه لم يحلها. بل إن انهيار هذا المصرف تحول إلى “مُسرع” لانهيار الاقتصاد، وهو ما فجر في نهاية المطاف احتجاجات باتت تشكل أخطر تهديد للنظام السياسي القائم منذ عام 1979.

نظام مصرفي محاصر

أظهر انهيار بنك “آينده” بوضوح أن النظام المالي الإيراني، الذي يعاني تحت ضغوط سنوات من العقوبات الغربية، والاعتماد على طباعة النقود التضخمية، أصبح يزداد عجزاً عن الوفاء بالتزاماته ويعاني شح السيولة. ويُعتقد أن خمسة بنوك أخرى تعاني أوضاعاً هشة مماثلة، بحسب “وول ستريت جورنال”.

وجاءت الأزمة في أسوأ توقيت ممكن، إذ تواجه الحكومة الإيرانية صعوبات عدة بعد حرب استمرت 12 يوماً مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو 2025، كما رفض قادة البلاد تقديم أي تنازلات في المفاوضات حول البرنامج النووي، ما جعل رفع العقوبات بعيد المنال.

وانزلق الريال الإيراني إلى دوامة هبوط جديدة لم تتمكن البلاد من إيقافها. فقد أدت إجراءات أميركية إلى عزل إيران عن تدفق الدولارات من العراق، وقلصت بشكل كبير عائداتها من العملات الصعبة من مبيعات النفط، وجعلت احتياطياتها من النقد الأجنبي في الخارج بعيدة المنال بفعل العقوبات. 

وبعد عقود ابتكرت خلالها إيران أساليب للالتفاف على العقوبات واستخدمت تدفقات نقدية “غامضة” للإبقاء على اقتصادها المنهك، وصلت طهران إلى طريق مسدود، دون أدوات لمعالجة أزمة اقتصادية آخذة في التفاقم، أو تلبية احتياجات السكان.

ونزل مئات التجار، الذين لا يشاركون عادة في الاحتجاجات الجماعية، إلى شوارع طهران مطالبين بالإغاثة. 

إفلاس بنك “آينده”

تأسس بنك “آينده” عام 2013 على يد علي أنصاري، رجل الأعمال الإيراني الذي دمج مصرفين مملوكين للدولة مع بنك آخر كان قد أسسه سابقاً لتشكيل الكيان الجديد. وينتمي أنصاري إلى واحدة من أغنى العائلات في إيران، ويملك قصراً بملايين الدولارات في شمال لندن.

وسياسياً، يُنظر إلى أنصاري على أنه مقرب من الرئيس المحافظ السابق محمود أحمدي نجاد. 

وفرضت بريطانيا عقوبات على أنصاري العام الماضي بعد أيام فقط من انهيار بنك “آينده”، واصفة إياه بأنه “مصرفي ورجل أعمال إيراني فاسد ساعد في تمويل الحرس الثوري الإيراني”.

وفي بيان صدر في أكتوبر 2025، حمّل أنصاري مسؤولية فشل البنك لـ”قرارات وسياسات اتخذت خارج نطاق سيطرة البنك”. 
 
وقال اقتصاديون إن “آينده” قدم أعلى معدلات فائدة بين البنوك الإيرانية، ما جذب ملايين المودعين، واقترض بكثافة من البنك المركزي الذي لجأ إلى طباعة النقود لإنقاذه من الإفلاس. 

وكغيره من البنوك المتعثرة في إيران، كان لدى “آينده” عدد كبير من القروض المتعثرة، وهو أحد العوامل التي قادت البنك في النهاية إلى الانهيار. 

“إيران مول” 

أكبر استثمارات بنك “آينده” هو “إيران مول”، المركز التجاري الضخم الذي افتُتح عام 2018. ويبلغ حجم المجمع ضعف حجم مبنى البنتاجون، وهو “مدينة داخل مدينة”، تضم صالة سينما “آي ماكس” ومكتبة ومسابح ومجمعات رياضية، إضافة إلى حدائق داخلية ومعرض سيارات وقاعة مرايا مستوحاة من قصر إمبراطوري فارسي يعود إلى القرن الـ16.

وقال اقتصاديون ومسؤولون إيرانيون إن المشروع كان مثالاً على “الإقراض الذاتي”، إذ قام بنك أنصاري عملياً بإقراض شركاته الخاصة. وعندما انهار البنك، أفادت وكالة “تسنيم”، نقلاً عن مسؤول رفيع في البنك المركزي، بأن أكثر من 90% من موارد البنك كانت مُستثمرة في مشروعات يديرها بنفسه. 

وخضع بنك “آينده” لتدقيق لسنوات من قبل بعض السياسيين المحافظين والإصلاحيين الذين دعوا إلى إغلاقه، وحذروا من أن دعم البنك المركزي للمؤسسة سيؤدي إلى زيادة التضخم بسبب الحاجة إلى طباعة النقود لتمويلها.

مصير مشابه

بلغت هذه الدعوات ذروتها في أواخر العام الماضي. عندما دعا رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، علناً البنك المركزي في أكتوبر إلى اتخاذ إجراء، ملوحاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي باتخاذ تدابير قانونية إذا لم تتدخل السلطات المصرفية. وأعلن البنك المركزي حل بنك “آينده” في اليوم التالي. 

وتحملت الحكومة ديون البنك وأجبرته على الاندماج مع أكبر مصرف حكومي في البلاد، “بنك ملي”. 

وبحسب اقتصاديين وبيان لمسؤول في البنك المركزي العام الماضي، تواجه خمسة بنوك إيرانية أخرى على الأقل مصيراً مشابهاً، من بينها “بنك سبه” المملوك للدولة، وهو من أكبر البنوك في البلاد، وكان قد ضم سابقاً بنوكاً متعثرة أخرى. 

ووصف مدير الرقابة المصرفية في البنك المركزي الإيراني العام الماضي بنك “آينده” بأنه “مخطط احتيالي”. وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، كان “رمزاً لنظام جرى فيه تحويل القليل من الموارد المتاحة إلى قلة من ذوي النفوذ، فيما يعاني عامة الناس”. 

وقال إسفنديار باتمانجليج، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “بورصة وبازار” البحثية الاقتصادية: “إنه مثال جديد على قصص الفساد أو الممارسات غير العادلة التي تترك لدى كثير من الإيرانيين العاديين انطباعاً بأن النظام ضدهم، أو على الأقل لمصلحة نخبة صغيرة”.

وكان “آينده” في قلب ما يصفه اقتصاديون بأنه أزمة أوسع في النظام المالي تسارعت وتيرتها بعد إعادة فرض العقوبات الأميركية عام 2018. 

ومع نقص التمويل، اعتمدت البنوك الإيرانية على الاقتراض من البنك المركزي عبر آلية طوارئ للسيولة، وفرضت معدلات فائدة مرتفعة لكنها قدمت القروض دون طلب ضمانات.

وقام البنك المركزي بطباعة النقود لتمويل هذه القروض، وهو ما حذّر منه مسؤولون مصرفيون واقتصاديون منذ زمن طويل، باعتباره يولد دورة تضخمية ويضعف العملة.

ونتج عن ذلك نظام مالي هش يعتمد على الدولة في وقت كانت فيه إيران على وشك التعرض لسلسلة صدمات متزايدة الشدة شملت موجات من العقوبات، وسقوط حلفاء إقليميين، وصراع مباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة. 

وأطلق انهيار “آينده” جرس إنذار للحكومة، التي كانت تسيطر فعلياً على نحو 70% من النظام المصرفي الإيراني بحلول عام 2019. 

انهيار تدريجي

تشكل انهيار الاقتصاد الإيراني على مدى سنوات، لكنه تسارع بشكل حاد في الأشهر الأخيرة. وفقدت العملة الوطنية 84% من قيمتها أمام الدولار في عام 2025، وارتفعت أسعار الغذاء بمعدل سنوي بلغ 72%، أي ما يقرب من ضعف المتوسط في السنوات الأخيرة. 

وتواجه إيران أيضاً أزمة طاقة ومياه بالغة الحدة إلى درجة أن الرئيس مسعود بيزشكيان اقترح نقل العاصمة من طهران إلى منطقة أقرب إلى ساحل المحيط الهندي. 

ولم تواكب الأجور هذا الارتفاع، ودفع الغلاء المتسارع الإيرانيين العاديين إلى حافة الانهيار. ويقول السكان إنهم لم يعودوا قادرين على شراء الغذاء. ومع تراجع قيمة الريال ساعة بعد ساعة، عجز أصحاب المتاجر عن تحديد الأسعار. وكان المستوردون يخسرون المال حتى قبل عرض بضائعهم للبيع. 

وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تنفق أموالاً لتصفية “آينده”، كانت تقلص دعمها للسكان. فقد تضمن مشروع الموازنة الذي قدمته الحكومة في ديسمبر 2025 عدداً من إجراءات التقشف، من بينها إلغاء سعر صرف تفضيلي للواردات، ورفع بعض الإعانات الخاصة بالخبز، وبيع البنزين المستورد بأسعار السوق. 

وبحسب تحليل أعده بيجان خاجه‌بور، الشريك الإداري في شركة “يوراسيان نيكسس بارتنرز” الاستشارية في فيينا، اقترحت الحكومة خفض نحو 10 مليارات دولار من الدعم الحكومي المقدم للشعب ولجماعات مصالح رئيسية مثل المستوردين.

وعُرضت الموازنة رسمياً على البرلمان في 23 ديسمبر، لكن شائعات عن موجة التقشف المرتقبة كانت قد انتشرت مسبقاً، ما أثار مخاوف من مزيد من المعاناة الاقتصادية في وقت كان الريال يواصل هبوطه.

عقوبات غربية

وقال اقتصاديون إن الأزمة المالية المتفاقمة بلغت ذروتها وسط تصاعد الضغوط الغربية لتقويض قدرة الحكومة على التعامل معها. كما تأثر الاقتصاد الإيراني بتداعيات حرب العام الماضي مع إسرائيل، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية.

وأجبرت العقوبات الأميركية والأوروبية المتزايدة صناعة النفط الإيرانية على الاعتماد على “أسطول ظل” دولي من ناقلات النفط لتصدير منتجاتها، ما يعني أن جزءاً أكبر من عائدات النفط يتجه إلى الوسطاء، وجزءاً أقل إلى خزائن الدولة والاقتصاد الإيراني الأوسع. 

كما أدى تشديد الولايات المتحدة على مكافحة غسل الأموال في البنوك العراقية إلى حرمان إيران من أحد أهم مصادرها من الدولارات. وكانت البنوك العراقية تُعرف بأنها “رئتا” النظام المالي الإيراني، إذ وفرت السيولة لبنوك معزولة. 

ووجهت حرب يونيو مع إسرائيل صدمة قاسية أخرى، إذ تركت الحكومة مضطرة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي لإعادة بناء قدراتها العسكرية ودعم حلفائها.

وعادت الضغوط العسكرية في أواخر العام بعد هدنة استمرت ستة أشهر. فقد حذرت الولايات المتحدة وإسرائيل من ضربات جديدة بسبب برنامج إيران الصاروخي، وهو تهديد تعزز بالغارة الأميركية على كراكاس في أوائل يناير الجاري لاعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو. 

وساهمت المخاوف من هجوم جديد في تسريع هروب رؤوس الأموال من إيران، وهي ظاهرة بدأت خلال حرب الصيف الماضي التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل. وتخلى الإيرانيون عن الريال وحولوا أموالهم إلى عملات أجنبية وذهب وأصول مثل العملات المشفرة. 

وقدّر جواد صالحي أصفهاني، الأستاذ الاقتصادي في جامعة فيرجينيا تك، إجمالي رؤوس الأموال التي خرجت من إيران العام الماضي بما يتراوح بين 10 و20 مليار دولار، واصفاً الوضع بأنه “سيئ ولا يبدو قابلاً للاستمرار”. 

كما تسببت أزمة طاقة ناجمة عن نقص الغاز الطبيعي منذ عام 2024 في انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي. وجاءت هذه التخفيضات رغم الثروة الهائلة من النفط والغاز، ما طرح تساؤلات حول سعي الحكومة المحفوف بالمخاطر على مدى عقود لتخصيب اليورانيوم من أجل برنامج نووي تقول إنه سلمي.

وأججت الانقطاعات المتزايدة للكهرباء وتفاقم نقص المياه وتدهور قيمة العملة انطباعاً لدى كثير من الإيرانيين بأن الدولة بدأت في الانهيار.

فشل التهدئة

وحاولت الحكومة تهدئة المحتجين عبر إقرار دعم نقدي شهري قدره 10 ملايين ريال للفرد (نحو 7 دولارات) لكنه أكثر قيمة داخل إيران، والتعهد بملاحقة المحتكرين ورافعِي الأسعار.

واستقال محافظ البنك المركزي الإيراني في أواخر ديسمبر، وحل محله عبد الناصر همتي، وزير الاقتصاد السابق، الذي كان البرلمان قد عزله العام الماضي مع دخول البلاد في أزمة العملة.

لكن ذلك لم يُجد نفعاً. فقد اندلعت الاحتجاجات في نهاية العام وتصاعدت على مدى أسبوعين، وامتدت إلى عشرات المدن في أنحاء البلاد. وخرج الآلاف إلى الشوارع في الأيام الأخيرة رغم انقطاع الإنترنت وتشديد القمع الحكومي، الذي قُتل خلاله مئات الأشخاص، وفق جماعات حقوقية.

ومهما تكن نتائج الاحتجاجات، فإن الضغوط على النظام الناجمة عن مشكلات مالية داخلية عميقة، إلى جانب ضغط خارجي كثيف، لن تزول، وفق “وول ستريت جورنال”.

وقال إريك مايرسون، كبير استراتيجيي الأسواق الناشئة في بنك SEB السويدي: “لو كان بوسعهم الإنفاق للخروج من الأزمة لفعلوا ذلك من قبل، ولما اضطروا إلى اللجوء إلى هذا القدر من العنف. وهذا ما يجعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للنظام”.

شاركها.