قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في تقرير لها، إن القوات الحكومية السورية، والجماعات المسلحة البدوية، والدرزية المحلية، مسؤولة عن انتهاكات جسيمة خلال الاشتباكات في محافظة السويداء السورية في تموز 2025، محملة الحكومة المسؤولية في غياب المحاسبة.
ووثقت في التقرير، الذي نشرته اليوم الخميس 15 كانون الثاني، 86 حالة قتل يفترض أنها “غير قانونية”، طالت 67 مدنيًا درزيًا، و19 مدنيًا بدويًا.
كذلك تحققت من سبعة حوادث قتل تعسفية بين 14 و19 تموز 2025، قتلت فيها القوات الحكومية و”الميليشيات” التابعة لها 54 مدنيًا درزيًا على الأقل، بينهم أطفال، كما وقعت العديد من حالات القتل هذه في منازل الضحايا أو بالقرب منها.
ونوه التقرير إلى إحصائيات الأمم المتحدة بأن هجمات شنتها الجماعات المحلية والسلطات الانتقالية والجماعات المسلحة التابعة لها على ثلاث قرى فقط في السويداء، أسفرت عن مقتل حوالي ألف شخص، بينهم 539 مدنيًا درزيًا تم التعرف على هويتهم.
واعتبرت أنه لم يتم الإبلاغ عن العدد الكامل للضحايا المدنيين، لأن عددًا كبيرًا من الجثث قد لا يزال في المنازل التي لم يُسمح لفرق الإنقاذ بدخولها.
وقدر “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” أن أكثر من 93 ألف شخص نزحوا خلال أسبوع من الاشتباكات، و187 ألف بحلول أواخر تموز، ما تسبب في نقص حاد في الغذاء والمأوى والأدوية.
شهود عيان
قابلت “هيومن رايتس ووتش” 19 شخصًا هم ضحايا الانتهاكات أو شهود عليها، وهم 14 درزيًا، وخمسة بدو من سكان السويداء، وتحققت من صور وفيديوهات تدعم الشهادات.
تحدث الباحثون أيضا مع ثلاثة ناشطين محليين، وصحفيًا سوريّا دخل السويداء مع القوات الحكومية، وثلاثة مصادر على علم مباشر بالقيود على المساعدات.
قال الشهود إن قوات الأمن الحكومية ارتكبت عمليات قتل تعسفية ودمرت ممتلكات مدنية، بينما قامت الجماعات البدوية المسلحة المتحالفة معها بعمليات اختطاف ونهب.
كما هاجمت الجماعات الدرزية المسلحة المدنيين واحتجزتهم تعسفًا.
تطورت المواجهة بين الجماعات المسلحة البدوية والدرزية عند نقطة تفتيش في محافظة السويداء في 12 من تموز 2025، إلى اشتباكات مسلحة استمرت أيامًا عدة.
في 14 الشهر ذاته، قصفت قوات الأمن الحكومية مواقع الدروز دعمًا للجماعات المسلحة البدوية، بينما رد الدروز بهجمات ضد القوات الحكومية والبدوية، وقُتل وجُرح مئات المدنيين، ونزح عشرات الآلاف، بحسب المنظمة.
بالمقابل، أدانت السلطات السورية “الانتهاكات” في السويداء ووصفتها بأنها “إجرامية وغير قانونية” وتعهدت بالتحقيق فيها، و بين 17 و22 من تموز 2025، أصدرت الرئاسة والشرطة العسكرية ووزارة الدفاع السورية بيانات تعهدت فيها بالمساءلة.
وأعلنت عن تشكيل لجنة للتحقيق في “انتهاكات صادمة وجسيمة” ارتكبتها “مجموعة غير معروفة ترتدي الزي العسكري”.
اختطاف العاملين الإنسانيين
كما أدانت المنظمة اختطاف العاملين الإنسانيين، معتبرة أن اختطافهم أدى إلى تعطيل جهود الإغاثة، ذاكرة اختطاف رئيس مركز الطوارئ التابع لـ “الخوذ البيضاء” حمزة العمارين، في 16 من تموز، بينما كان يستجيب لنداء استغاثة في مدينة السويداء، ولا يزال مصيره مجهولا.
وفي 13 من آب 2025، اختُطف خمسة عمال إغاثة في ريف درعا الشرقي، في أثناء نقلهم مساعدات إلى السويداء.
وقالت وزارة الداخلية لاحقًا، إن الرجال أُطلق سراحهم، لكنها لم تقدم أي تفاصيل عن المسؤولين عن ذلك أو أي إجراءات متخذة.
وسكان محافظة السويداء هم في الغالب من الطائفة الدرزية، مع أقلية من البدو، وفي حين أن هاتين المجموعتين تعايشتا لعقود، إلا أن المواجهة عند حاجز التفتيش حينها، أشعلت القتال بينهما، أضاف التقرير.
وتابع أن القوات الحكومية تدخلت لدعم جماعات البدو، ما أدى إلى تصعيد التوترات بين الحكومة والمجتمع الدرزي.
إذ اختطفت الجماعات المسلحة الدرزية والبدوية أشخاصًا واعتقلتهم تعسفًا أثناء اشتباكات السويداء وبعدها، مستهدفة المدنيين بشكل غير قانوني للانتقام أو الضغط أو المقايضة.
التدقيق في دور كبار المسؤولين
المنظمة دعت السلطات السورية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات من جميع الأطراف، بما يشمل الملاحقة الملائمة بحق القادة العسكريين وكبار المسؤولين الذين أمروا بارتكاب الانتهاكات أو يتحملون تبعات جرائم الحرب بموجب مسؤولية القيادة.
واعتبرت أنه ينبغي للحكومة السورية ضمان إجراء تحقيقات نزيهة في اشتباكات تموز (أحداث السويداء)، وآذار (أحداث الساحل)، تشمل التدقيق في دور كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين، وليس فقط العناصر ذوي الرتب الدنيا كما كان الحال حتى الآن.
وإذا كانت السلطات غير راغبة في إجراء محاكمات تستوفي معايير المحاكمة العادلة الدولية أو غير قادرة على ذلك، بحسب تعبير المنظمة، فإنه ينبغي للأمم المتحدة والحكومات المعنية التدخل لدعم جهود المساءلة.
نائب مديرة الشرق الأوسط في “هيومن رايتس ووتش”، آدم كوغل، قال إن اعتراف الحكومة بالفظائع لا يكفي إذا كان قادة القوات التي ترتكب الانتهاكات والمشرفون عليها محصنّين من العدالة.
وبدون مساءلة كبار المسؤولين وإصلاح هيكلي لقطاع الأمن، ستظل سوريا تواجه دورات من العنف والانتقام.
وينبغي للسلطات السورية السعي إلى إصلاح حقيقي لقطاع الأمن من خلال التدقيق في الموظفين الذين ارتكبوا انتهاكات، وفرض الانضباط، وإخضاع الجماعات المسلحة للسلطة المسؤولة للدولة أو تسريح هذه الجماعات.
في 2 من تشرين الأول 2025، دخلت “لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا” التابعة للأمم المتحدة إلى السويداء، للتحقيق في انتهاكات أحداث السويداء، في أول زيارة يقوم بها خبراء حقوقيون دوليون، وقد قاموا منذ ذلك الحين بزيارات أخرى إلى المنطقة.
وأوضحت المنظمة أن القانون الإنساني الدولي، المعروف بقوانين الحرب، ينطبق على القتال الدائر بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة في السويداء.
إذ تحظر المادة 3 المشتركة في “اتفاقيات جنيف” لعام 1949 وقوانين الحرب العرفية شن هجمات على المدنيين، والإعدامات بإجراءات موجزة، والاعتداء على الكرامة الشخصية، وتدمير ممتلكات المدنيين ونهبها، وتشكّل الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب المرتكبة بنية إجرامية جرائمَ حرب.
وتطرق التقرير إلى اشتباكات حلب الأخيرة ، إذ قالت إنه في كانون الثاني الحالي، أسفرت الاشتباكات المتجددة بين القوات الحكومية و”قوات سوريا الديمقراطية”، عن 23 قتيلًا وتهجير أكثر من 100 ألف شخص.
وتؤكد هذه الاشتباكات الأخيرة بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة التي تقودها الأقليات على الحاجة إلى إصلاح شامل لقطاع الأمن ومساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة.
وذكرت المنظمة أنه سبق وتورطت القوات العسكرية التابعة للحكومة الانتقالية السورية في انتهاكات جسيمة ضد الأقليات، ولا سيما السوريين العلويين في آذار 2025.
وبرّأت التحقيقات الحكومية في الجرائم المزعومة كبار المسؤولين بسبب عدم وجود أدلة على صدور أوامر مباشرة بارتكاب الانتهاكات، وفقًا للمنظمة.
“لجنة التحقيق” تعتمد القوانين الدولية
كشف المتحدث باسم لجنة التحقيق في أحداث السويداء، عمار عز الدين، خلال مؤتمر صحفي، في 16 من تشرين الثاني 2025، أبرز النتائج التي توصلت إليها بشأن الانتهاكات التي شهدتها المحافظة خلال أحداث تموز الماضي.
وأكد عز الدين، في المؤتمر الصحفي الذي حضرته حينها، أن ما حدث في السويداء شكّل انتهاكًا جسيمًا يستوجب متابعة قانونية دقيقة.
وأشار إلى أن اللجنة اعتمدت في عملها على القوانين الدولية ومعايير الأمم المتحدة لضمان الحيادية والموضوعية.
وقال المتحدث باسم لجنة التحقيق، إن آلية جمع المعلومات خلال التحقيق تضمنت مقابلات مباشرة مع عدد من المدنيين وأهالي الضحايا، كما تواصلت اللجنة مع القوات الحكومية المسؤولة عن فض الاشتباك وبعض العناصر العسكريين.
ولفت إلى أن أغلب المعلومات تم جمعها كانت عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، إذ لم تتمكن اللجنة من الدخول إلى بعض مناطق السويداء الخاضعة لسيطرة الفصائل المحلية.
وعممت اللجنة رقمًا تواصل معه أغلب أهالي السويداء، ممن زودوها بالمعلومات الضرورية.
أحداث السويداء
بدأت الأحداث في 12 من تموز 2026، بعد عمليات خطف متبادلة بين سكان حي المقوس، ذي الأغلبية البدوية، وعدد من أبناء الطائفة الدرزية، وتطورت في اليوم التالي إلى اشتباكات مسلحة.
وتدخلت الحكومة السورية في 14 تموز لفض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات ضد مدنيين من الطائفة الدرزية، ما دفع فصائل محلية للرد، بينها مجموعات كانت تتعاون سابقًا مع وزارتي الدفاع والداخلية.
وفي 16 تموز، انسحبت القوات الحكومية من السويداء بعد تعرضها لضربات إسرائيلية، تبعها ارتكاب انتهاكات وأعمال انتقامية ضد سكان البدو في المحافظة.
الأحداث تلك أدت إلى إرسال أرتال مسلحة على شكل “فزعات عشائرية” لنصرتهم.
عقب ذلك، توصلت الحكومة السورية وإسرائيل إلى اتفاق بوساطة أمريكية لوقف العمليات العسكرية.
Related
المصدر: عنب بلدي
