القدس المحتلة الوكالات
تشهد صفوف الجيش الإسرائيلي تصاعدا ملحوظا في حالات الاضطرابات النفسية ومحاولات الانتحار منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط تحذيرات رسمية وطبية من تفاقم الأزمة خلال السنوات المقبلة.
وأفادت تقارير صادرة عن وزارة الدفاع الإسرائيلية بأن حالات اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود ارتفعت بنسبة 40% منذ اندلاع الحرب، مع توقعات بأن تصل الزيادة إلى 180% بحلول عام 2028. ووفق المعطيات الرسمية، فإن نحو 60% من أصل 22 ألفا و300 عسكري يتلقون العلاج من إصابات الحرب يعانون من أعراض نفسية مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة.
وفي السياق ذاته، أظهر التقرير السنوي لعام 2025 الصادر عن شركة “مكابي”، ثاني أكبر مزود للرعاية الصحية في إسرائيل، أن 39% من العسكريين الذين يخضعون للعلاج لديها طلبوا دعما نفسيا، في حين عبّر 26% منهم عن معاناتهم من أعراض اكتئاب.
واستقبلت منظمات إسرائيلية متخصصة مئات الجنود النظاميين وجنود الاحتياط الذين يعانون من اضطرابات نفسية، بينما لجأ بعض الجنود السابقين إلى اقتناء كلاب مدرّبة خصيصا لتقديم الدعم النفسي والعاطفي.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة، التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 71 ألف فلسطيني وإصابة نحو 171 ألفا آخرين، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية في القطاع، حيث يواجه نحو مليوني فلسطيني نقصا حادا في المأوى والغذاء والرعاية الصحية.
وأرجع الطبيب النفسي رونين سيدي، المشرف على أبحاث المحاربين القدامى في مركز “هعيمك” الطبي، تزايد الاضطرابات النفسية إلى ما وصفه بتعرض الجنود لـ”تجارب خوف شديد” و”تهديد دائم بالموت”، سواء خلال العمليات العسكرية في غزة ولبنان أو حتى داخل إسرائيل.
ونقلت وكالة رويترز عن أحد الجنود الذين شاركوا في القتال بغزة ولبنان وسوريا قوله إنه اضطر إلى ترك عمله كمدير مشاريع في شركة عالمية، موضحا أن أصوات إطلاق النار ما زالت تطارده حتى بعد عودته من القتال. وأضاف أنه يعيش في حالة تأهب دائم قائلا: “أعيش هكذا كل يوم”.
ويخضع الجنود الراغبون في تلقي العلاج النفسي لإجراءات تقييم من وزارة الدفاع الإسرائيلية، وهي عملية قد تستغرق عدة أشهر، ما قد يشكل عائقا أمام طلب المساعدة، بحسب مختصين في علاج الصدمات النفسية.
وفي هذا السياق، خلصت لجنة برلمانية في الكنيست، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلى أن 279 جنديا حاولوا الانتحار خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني 2024 إلى يوليو/تموز 2025، مسجلة ارتفاعا حادا مقارنة بالسنوات السابقة. وأشار تقرير اللجنة إلى أن الجنود المقاتلين شكّلوا 78% من إجمالي حالات الانتحار في إسرائيل خلال عام 2024.
كما كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في تقرير لها أن 22 جنديا انتحروا خلال عام 2025، وهو أعلى رقم يُسجل منذ عام 2010، حين انتحر 28 جنديا عقب عملية “الرصاص المصبوب” على قطاع غزة.
وأكد الطبيب النفسي سيدي أن مخاطر الانتحار أو إيذاء النفس تتضاعف في حال عدم معالجة الصدمة النفسية، مشيرا إلى أن مؤسسات الصحة النفسية في إسرائيل باتت مكتظة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وأن كثيرا من الإسرائيليين إما لا يحصلون على العلاج أو لا يدركون أن معاناتهم النفسية مرتبطة بتجارب الحرب.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات عسكرية تُعد خروقا يومية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة وجنوب لبنان، بالتزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي، في ظل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن ضربات عسكرية ضد إيران، ما يثير مخاوف إسرائيلية من مواجهة جديدة مع طهران بعد حرب استمرت 12 يوما بين الطرفين في يونيو/حزيران 2025.
