لا تُطلق الأسماء اعتباطاً، ولا تُختار المفردات من فراغ؛ فبعض الأسماء والألقاب تُستحضر لأنها تختزل إنجازاتٍ رسخت في الذاكرة، وتجذّرت في النهج، وأصبحت جزءاً من مسار الدولة وهويتها.
وحينما يُستذكر اسم «عيسى الكبير»، تتجه الأبصار إلى زمنٍ تشكّلت فيه ملامح الدولة البحرينية الحديثة، حين وُضعت الأسس الأولى للنظام والاستمرارية. مرحلة اتسمت بالتريّث في اتخاذ القرار، والاتزان في الإدارة، والتخطيط والتدرّج بدل الارتجال، في وقتٍ كانت فيه دولٌ مجاورة لا تزال في طور البحث عن شكل الدولة ومعناها.
لقد حكم صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، رحمه الله، وطيب الله ثراه، البحرين لسنواتٍ طويلة امتدت لما يزيد على ستة عقود، غير أن المعيار الحقيقي لم يكن بطول مدة الحكم، بل بما تحقق خلالها من ترسيخٍ لمفهوم الدولة الحديثة؛ دولة تُدار بالقانون، وتُبنى بالمؤسسات، وتُحمى بتطبيق الأنظمة والقوانين والتشريعات. فالحاكم هو من يجعل الحكم من بعده قابلاً للاستمرار، راسخاً في وعي الناس.
وقد انعكس هذا المفهوم بوضوح في تنظيم شؤون الحكم، وتأسيس القضاء، وإدارة الموارد الاقتصادية بعقل الدولة، حيث جرى تنظيم الموانئ، وتطوير الزراعة، وتنظيم صيد اللؤلؤ والأسماك، في إدراكٍ مبكرٍ بأن الاستقرار الاقتصادي يُعد أحد أهم أعمدة الاستقرار السياسي.
كما انطلق هذا النهج من إيمانٍ راسخ بأن الإنسان هو محور الدولة وجليل غاياتها؛ فكان الاهتمام بالخدمات الصحية خطوة متقدمة في ذلك الزمن، تؤكد أن بناء الدولة لا يكتمل من دون رعاية المجتمع، ولا يستقيم من دون حماية الإنسان. ولعل من أبلغ الدلالات على عمق هذه التجربة، أن الدولة كانت قد بلغت درجة من النضج المؤسسي الذي يسمح لها بالاستمرار.
ومن هذا السياق، يمكن فهم قرار حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بأن يحمل هذا العام اسم «عام عيسى الكبير»، بوصفه قراراً ذا دلالة تتجاوز الاحتفاء، إلى استحضار الإنجازات التأسيسية للدولة، وتأكيداً على المسار الذي انتهجته مملكة البحرين عبر تاريخها.
تنبع هذه التسمية من إدراك حكيم بأن ما نعيشه اليوم من انتظامٍ إداري ومؤسسي هو امتدادٌ طبيعي لنهجٍ أُرست قواعده في زمنٍ مبكر، واستمر حتى وقتنا الحاضر، لأنه لم يُبنَ على الأشخاص، بل على القيم والمبادئ.
وهكذا يأتي «عام عيسى الكبير» كوقفةٍ أمام معنى الدولة، وكبوصلةٍ تعيد توجيه النظر إلى أن البناء الحقيقي هو ذاك الذي يبقى أثره، حتى بعد رحيل أصحابه.
