هي الجزيرة الأرخبيلية، ونموذج مميز في الحكمة السياسية والإنجازات الحضارية، قامت نهضتها على أيدي حكّامها وأبنائها، وغُرست في أرضها قيم التسامح والطيبة والتلاحم بين القيادة والشعب على مرّ العصور. التي عُرفت منذ القدم بـ«أرض الخلود»، والتي مرّت بها حضارات متعاقبة منذ زمن جلجامش، لتُنشئ أجيالاً عُرفت بنقاء عقولها، وحبها للعطاء والحياة والبناء.
ومنذ القرن الثامن عشر الميلادي، لم يكن دخول الشيخ أحمد الفاتح إلى البحرين حدثاً عابراً أو وليد صدفة، بل جاء عن إدراكٍ عميق لأهمية هذه الأرض ومع فتح إقليم الزبارة والبحرين، وإفشال أطماع القوى الخارجية، توحّدت البلاد تحت حكم آل خليفة الكرام.
ومع تولي صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، رحمه الله وطيب الله ثراه، مقاليد الحكم، بدأت ملامح البناء التاريخي للدولة البحرينية تتبلور، مستندة إلى التلاحم الوثيق بين القيادة والشعب، ووحدة المجتمع في مواجهة محاولات السيطرة الأجنبية آنذاك. وعلى الرغم من التحديات التي فرضتها تلك المرحلة، نجح صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في قيادة البحرين لعبور تلك الحقبة الدقيقة، والانتقال بها بثبات نحو العصر الحديث، سعياً إلى ترسيخ الاستقرار السياسي وتعزيز الازدهار التجاري.
وانسجاماً مع هذا الوعي السياسي المتقدم، وفي إطار الحركة الوطنية المشتركة بين صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، وشعبه، وُضعت اللبنات الأولى للعمل الديمقراطي عبر تأسيس مجلس للشورى، ليشكّل خطوة رائدة في ترسيخ مبدأ المشاركة والتشاور في مسيرة الحكم.ويُعزى لقب «باني الدولة الحديثة» إلى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة لما قام به من أعمال أساسية أسهمت في قيام دولة حديثة، حيث نظّم القوانين وشؤون الأسرة الحاكمة، وأنشأ القضاء، ووسّع رقعة الزراعة في مناطق متعددة من البلاد، وأسّس الموانئ، ونظّم مصائد الأسماك واللؤلؤ. كما أولى اهتماماً كبيراً بالمجال الصحي، فأنشأ أول عيادة في المنامة عام 1892، ثم أول مستشفى حديث في منطقة الخليج العربي عام 1902، تلاه مستشفى الملكة فيكتوريا التذكاري عام 1905.
ومن هذا المنطلق، جاء اختيار هذا العام، «عام عيسى الكبير»، من قِبل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، تكريماً وتخليداً لذكرى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، وإبرازاً لدوره الكبير في تأسيس الدولة البحرينية الحديثة وبناء مؤسساتها. وهو احتفاءٌ بتاريخ البحرين، واعتزازٌ بهويتها الوطنية، وتجسيدٌ لمعاني الوفاء والتقدير لرموزها الذين أسهموا في بناء الدولة، لتكون مرجعاً راسخاً للانتماء الوطني، وحفاظاً على الإرث التاريخي للأجيال القادمة.
ويظل الشيخ عيسى الكبير حاضراً في الذاكرة الوطنية رمزاً للحكمة والقيادة الرشيدة، ودليلاً على أن بناء الأوطان يبدأ برؤية صادقة، وإرادة قوية، وتلاحمٍ صادق بين القيادة والشعب.
* باحثة برلمانية
