أكدت أخصائية التغذية العلاجية ونائب رئيس جمعية أصدقاء الصحة، أريج السعد، أن الجدل العالمي الواسع الذي أُثير مؤخراً حول الهرم الغذائي الجديد لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة “تحوّل جذري في فلسفة التغذية التي اعتاد عليها العالم لعقود طويلة”، مشيرة إلى أن اعتماد نموذج غذائي مقلوب أعاد ترتيب الأولويات، وفتح باب التساؤلات لدى الأسر حول ما هو صحي فعلاً، وما هو مجرد موروث غذائي قديم.
وقالت أريج السعد إن الهرم الغذائي لطالما كان مرجعاً أساسياً في تشكيل الوعي الغذائي، ليس فقط داخل المنازل، بل في المدارس والمستشفيات والبرامج الوطنية للتغذية، حيث بُنيت عليه وجبات الأطفال، وأنظمة المرضى، وحتى الحملات الصحية العامة. وأضافت: “حين يتم قلب هذا الهرم أو إعادة صياغته، فإن التأثير لا يكون علمياً فقط، بل اجتماعياً ونفسياً أيضاً”.
الهرم الغذائي القديم!
وأوضحت السعد أن الهرم الغذائي التقليدي، الذي اعتمد لسنوات طويلة، قام على فكرة جعل الحبوب والكربوهيدرات في قاعدة الهرم، باعتبارها المصدر الأساسي للطاقة، تليها الخضروات والفواكه، ثم البروتينات، في حين وُضعت الدهون في قمة الهرم باعتبارها عنصراً يجب الحد منه قدر الإمكان. وأضافت: “هذه الرسائل ترسخت في أذهان أجيال كاملة، حتى أصبحت بعض العادات الغذائية تُمارس دون تساؤل”.
وبيّنت أن هذا النموذج جاء في زمن كانت فيه التحديات الصحية مختلفة، ولم تكن معدلات السمنة والسكري وأمراض التمثيل الغذائي على النحو الذي نشهده اليوم، مشيرة إلى أن تطور الأبحاث العلمية كشف مع الوقت أن الإفراط في الكربوهيدرات المكرّرة والسكريات كان أحد العوامل الرئيسية في تفاقم هذه المشكلات الصحية.
لماذا قلب الهرم الغذائي المعادلة؟
وحول أسباب الجدل، قالت السعد إن الهرم الغذائي الجديد اتجه إلى “قلب الصورة رأساً على عقب”، عبر تقديم البروتين عالي الجودة والخضروات والدهون الصحية إلى الصدارة، مقابل تقليص مساحة الحبوب المكرّرة والسكريات والأغذية فائقة المعالجة. وأضافت: “هذا التحول لم يغيّر فقط ترتيب المجموعات الغذائية، بل غيّر الرسالة بأكملها”.
وأشارت إلى أن النموذج الجديد يركز على ما يُعرف بـ“الغذاء الحقيقي”، أي الأطعمة الطبيعية قليلة المعالجة، ويشجع على وجود مصدر بروتين في كل وجبة، وزيادة استهلاك الخضروات، واختيار الدهون الصحية مثل زيت الزيتون والمكسرات، مع التحذير الصريح من الأغذية فائقة المعالجة كلما أمكن ذلك.
تحوّل… وإرباك لدى الأسر
ولفتت السعد إلى أن هذا التغيير السريع في التوصيات الغذائية خلق حالة من الإرباك لدى كثير من الأسر، قائلة: “الناس يسمعون منذ سنوات أن الكربوهيدرات أساس الغذاء، ثم يُطلب منهم اليوم تقليلها، وأن الدهون ضارة، ثم يُقال إنها ضرورية. هذا التناقض الظاهري يسبب ما نسمّيه إرهاق النصائح الغذائية”. وأضافت أن هذا الإرهاق قد يؤدي إلى فقدان الثقة في الإرشادات الصحية عموماً، مؤكدة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيّر العلم، بل في كيفية إيصال هذا التغير بلغة واضحة وبسيطة تراعي واقع الناس.
الأغذية المصنّعة
وبيّنت السعد أن أحد أبرز أسباب الجدل يتمثل في الموقف الصارم للهرم الجديد من الأغذية فائقة المعالجة، التي جرى وضعها خارج دائرة التوصيات الصحية تقريباً. وقالت: “هذه خطوة جريئة، لأن هذه المنتجات أصبحت جزءاً من حياة كثير من الأسر بسبب سهولة الحصول عليها وانخفاض تكلفتها”. وأوضحت أن خبراء الصحة العامة يرحبون بهذا التوجه لما له من أثر مباشر في الحد من الأمراض المزمنة، في حين تتحفظ بعض الجهات الصناعية بسبب تأثيره على الأسواق وبرامج التغذية واسعة النطاق.
وفيما يتعلق بالبعد الاجتماعي، شددت السعد على أن النقاش لا يتعلق بالتغذية فقط، بل بالعدالة أيضًا، موضحة أن هناك تساؤلاً مشروعًا حول قدرة جميع فئات المجتمع على الالتزام بهذه التوصيات. وقالت: “هل نوصي بما هو الأفضل صحياً أم بما هو الأسهل توفراً؟”.
وأضافت أن خفض المعايير الصحية ليس حلاً للفجوة الاقتصادية، مؤكدة أن الحل الحقيقي يكمن في سياسات داعمة تضمن وصول الغذاء الصحي إلى الجميع، لا في التراجع عن التوصيات العلمية.
لماذا يهم هذا الجدل كل أسرة؟
وختمت السعد تصريحها بالتأكيد على أن الجدل حول الهرم الغذائي الجديد مهم لكل أسرة، لأن تأثيره يتجاوز النقاشات العلمية ليصل إلى موائد الطعام اليومية. وقالت: “حين تتغير الإرشادات الغذائية، فإنها تشكّل وعي الأطفال، وتحدد أنماط الحياة المستقبلية، وتؤثر بشكل مباشر في صحة المجتمع”.
وأضافت أن الهرم الغذائي الجديد، رغم الجدل، يمثل فرصة لإعادة التفكير في علاقتنا بالطعام، وفهم أن التغذية ليست موضة عابرة، بل علم يتطور، ومسؤولية مشتركة بين الفرد والمجتمع وصانع القرار.
