يُعدّ النطق من أهم مؤشرات النمو الطبيعي للطفل، فهي ليس مجرد كلمات تُقال، بل أداة للتواصل وبناء الشخصية والتفاعل مع العالم المحيط. ومع ذلك، يلاحظ بعض الآباء تأخر أطفالهم في الكلام مقارنة بأقرانهم، ما يفتح باب القلق والتساؤلات، ويضع الأسرة أمام مسؤولية الفهم المبكر والتعامل الواعي مع هذه المشكلة.
وقد تتعدد أسباب تأخر النطق، ولا يمكن حصرها في عامل واحد. فقد يكون السبب عضوياً مثل ضعف السمع، أو مشكلات في اللسان أو الجهاز النطقي. كما تلعب العوامل النفسية دوراً مهماً، مثل تعرض الطفل للإهمال، أو قلة التفاعل الأسري، أو الخوف والقلق الزائد. وهناك أسباب تربوية معاصرة، أبرزها الإفراط في استخدام الشاشات والهواتف الذكية، التي تقلل من فرص الحوار المباشر، فتضعف الحصيلة اللغوية للطفل. كذلك قد يكون تأخر النطق جزءاً من اضطرابات نمائية أوسع مثل طيف التوحد أو التأخر العقلي البسيط، وهو ما يستدعي تدخلاً متخصصاً مبكراً.
ويمر الطفل بمراحل طبيعية في اكتساب اللغة، تبدأ منذ الشهور الأولى. ففي عمر 6 أشهر يبدأ الطفل بإصدار أصوات مناغاة مثل “با” و“ما”. ومع بلوغه العام الأول، غالباً ما ينطق بكلمات بسيطة مثل “ماما” و“بابا”. وعند عمر سنتين، يُفترض أن يمتلك الطفل حصيلة تتراوح بين 20 إلى 50 كلمة، وأن يكون قادراً على تكوين جملة من كلمتين مثل “ماما تعالي”. أما في عمر ثلاث سنوات، فيصبح الطفل قادراً على تكوين جمل أطول والتعبير عن احتياجاته بوضوح نسبي. هذه المراحل إرشادية، وليست قواعد صارمة.
من أبرز علامات تأخر النطق: عدم المناغاة في الشهور الأولى، أو عدم نطق أي كلمات مفهومة بعد عمر سنة ونصف، أو الاكتفاء بالإشارة بدل الكلام، أو صعوبة فهم كلام الطفل بعد عمر ثلاث سنوات. كما أن ضعف التفاعل البصري، أو عدم الاستجابة للاسم، قد يشيران إلى مشكلات أعمق تتجاوز النطق وحده.
كيف يمكن علاج تأخر النطق؟
العلاج يبدأ بالوعي، ثم بالتشخيص المبكر. يجب أولًا التأكد من سلامة السمع، ثم تقييم القدرات اللغوية والنمائية للطفل. ويُعدّ دور الأسرة محوريًا، من خلال التحدث المستمر مع الطفل، وقراءة القصص، وتشجيعه على التعبير دون سخرية أو ضغط. كما أن جلسات التخاطب مع أخصائيين تُعد من أنجح الوسائل العلاجية، خاصة إذا بدأت في سن مبكرة. والابتعاد عن الشاشات، واستبدالها بالتفاعل الإنساني.
بالنسبة للمدرسة إذا كان تأخر النطق بسيطًا، والطفل يتمتع بذكاء طبيعي، ويفهم التعليمات، ويتفاعل اجتماعياً مع من حوله، فغالباً لا يحتاج إلى مدرسة خاصة. في هذه الحالة يمكن للطفل الالتحاق بمدرسة عادية، مع متابعة جلسات تخاطب منتظمة، وتعاون الأسرة والمعلمين.ويوجد كثير من الأطفال يتحسن نطقهم بشكل ملحوظ بعد بدء العلاج، ويستكملون تعليمهم بشكل طبيعي تماماً.
قد يُنصح بالمدرسة الخاصة أو مدارس الدمج إذا كان تأخر النطق مصحوبًا بـ:
اضطرابات نمائية مثل طيف التوحد ..أو تأخر عقلي أو صعوبات تعلم واضحة وكذلك ضعف شديد في التواصل الاجتماعي أو عدم القدرة على فهم التعليمات أو التفاعل داخل الفصل في هذه الحالات، توفر المدارس المتخصصة بيئة تعليمية داعمة، وفصولاً أقل كثافة، وبرامج فردية تراعي احتياجات الطفل.
علينا أن نعرف أن التعامل مع تأخر النطق لا يجب أن يكون عاطفياً أو قائماً على الخوف، بل مبنياً على:
تقييم أخصائي تخاطب وكذلك رأي طبيب أطفال أو طبيب نمو وسلوك مع ملاحظة استجابة الطفل للعلاج..
فبعض الأطفال يحتاجون فقط إلى وقت وعلاج، وليس إلى تغيير المسار التعليمي بالكامل.
والخلاصة أن تأخر النطق وحده لا يُعد سبباً كافياً لعزل الطفل في مدرسة خاصة. بل إن الدمج في بيئة طبيعية، مع الدعم المناسب، قد يكون عاملاً إيجابياً في تحسين اللغة وبناء الثقة، لا ما يرضي مخاوف الكبار.
وبالتالي إن تأخر النطق ليس حكماً دائماً على مستقبل الطفل، بل مرحلة يمكن تجاوزها إذا قوبلت بالفهم والدعم لا بالخوف والإنكار. فالطفل لا يحتاج إلى القلق بقدر ما يحتاج إلى من يستمع إليه، حتى قبل أن ينطق. وهنا تتجلى مسؤولية الأسرة والمجتمع معاً في منح كل طفل حقه في التعبير، وفي بناء جيل قادر على التواصل، لا بالصوت فقط، بل بالثقة والوعي.
