رفض قادة أوروبيون الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على خلفية قضية جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، السبت، في مواقف متتالية أكدت على عدم الخضوع للتهديدات أو الضغوط، مع التشديد على تنسيق رد أوروبي موحد على الخطوات الأميركية المرتبطة بملف جرينلاند والرسوم التجارية.

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن “السلامة الإقليمية والسيادة مبدآن أساسيان في القانون الدولي”، مؤكدة أنهما “ضروريان لأوروبا وللمجتمع الدولي ككل”.

وأضافت فون دير لاين، في منشور على منصة “إكس”، أن الاتحاد الأوروبي شدد باستمرار على “المصلحة المشتركة عبر الأطلسي في السلام والأمن في القطب الشمالي، بما في ذلك من خلال حلف شمال الأطلسي”.

وأوضحت أن التمرين الدنماركي “المنسق مسبقاً”، والذي أُجري مع الحلفاء، “يستجيب للحاجة إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي ولا يشكل تهديداً لأي طرف”.

وأرسلت دول أوروبية أعداداً صغيرة من العسكريين إلى جرينلاند، الخميس، في الوقت الذي أكدت فيه الدنمارك أنها تمضي قدماً في خطط تتعلق بوجود “أكبر حجماً وأكثر استدامة” لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بهدف تأمين الجزيرة التي يرغب ترمب في الاستحواذ عليها، بحسب وكالة “رويترز”.

وأكدت أن “الاتحاد الأوروبي يقف متضامناً بشكل كامل مع الدنمارك وشعب جرينلاند”، مشددة على أن “الحوار يبقى أساسياً”، وأن الاتحاد “ملتزم بالبناء على المسار الذي بدأ الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة”.

وحذرت فون دير لاين من أن “فرض رسوم جمركية من شأنه تقويض العلاقات عبر الأطلسي والمخاطرة بالدخول في دوامة خطيرة من التصعيد”، مؤكدة أن “أوروبا ستبقى موحدة ومنسقة وملتزمة بالحفاظ على سيادتها”.

وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، رداً على سؤال بشأن رسوم ترمب الجديدة، إن الاتحاد الأوروبي سيكون “حازماً جداً في الدفاع عن القانون الدولي”، مشيراً إلى أنه ينسق حالياً رداً أوروبياً مشتركاً على هذه المسألة.

وذكر كوستا، خلال مؤتمر صحافي، أن “ما يمكننا قوله أن الاتحاد الأوروبي سيكون دائماً حازماً جداً في الدفاع عن القانون الدولي، أينما كان، وهو ما يبدأ بالطبع داخل أراضي الدول الأعضاء في الاتحاد”.

ماكرون: ملتزمون باستقلال الدول

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن بلاده ملتزمة بـ”سيادة واستقلال الدول، في أوروبا وخارجها”، مؤكداً أن هذا الالتزام “يوجّه خيارات فرنسا ويشكّل أساس دعمها للأمم المتحدة وميثاقها”.

واعتبر ماكرون، عبر منصة “إكس”، أن هذا النهج هو الأساس الذي “تدعم من خلاله فرنسا أوكرانيا وستواصل دعمها”، مشيراً إلى أن باريس عملت على “بناء تحالف الراغبين من أجل سلام قوي ودائم، دفاعاً عن هذه المبادئ وعن أمننا”.

ويضم  “تحالف الراغبين” 35 دولة من بينها معظم دول الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى كندا وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وتركيا.

وأوضح أن المشاركة في التمرين الذي نظمته الدنمارك في جرينلاند جاءت “انطلاقاً من الأساس نفسه”، مؤكداً أن فرنسا “تتحمل هذا القرار بالكامل”، لأن “الأمن في القطب الشمالي وعلى أطراف أوروبا الخارجية على المحك”.

وشدد الرئيس الفرنسي على أن “لا ترهيب ولا تهديد سيؤثر فينا”، سواء “في أوكرانيا أو في جرينلاند أو في أي مكان آخر بالعالم عندما نواجه مثل هذه الأوضاع”.

واعتبر أن “التهديدات بفرض رسوم جمركية غير مقبولة ولا مكان لها في هذا السياق”، مؤكداً أن “الأوروبيين سيردون بشكل موحد ومنسق إذا تم تأكيدها”، ومشدداً على أن أوروبا “ستضمن الحفاظ على سيادتها”.

وختم ماكرون المنشور بالقول: “بهذه الروح سأنخرط مع شركائنا الأوروبيين”.

ستارمر: أمر خاطئ تماماً

من جانبه، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن موقف بلاده من جرينلاند “واضح جداً”، مؤكداً أنها “جزء من مملكة الدنمارك، ومستقبلها مسألة تعود لشعب جرينلاند والدنماركيين”.

وشدد ستارمر، في بيان، على أن بريطانيا أوضحت أن “أمن القطب الشمالي يهم حلف شمال الأطلسي (الناتو) بأكمله”، مؤكداً أن “على الحلفاء أن يفعلوا المزيد معاً لمواجهة التهديد القادم من روسيا عبر مناطق مختلفة من القطب الشمالي”.

واعتبر أن “فرض رسوم جمركية على الحلفاء بسبب سعيهم إلى تعزيز الأمن الجماعي لحلف الناتو أمر خاطئ تماماً”، مؤكداً أن بلاده “ستسعى بالطبع إلى مناقشة هذه المسألة مباشرة مع الإدارة الأميركية”.

السويد: لن نسمح بالابتزاز

وقال رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون إن بلاده “لن تسمح بابتزازها”، مؤكداً أن “الدنمارك وجرينلاند وحدهما من يقرران القضايا التي تخص الدنمارك وجرينلاند”.

وأضاف كريسترسون، عبر منصة “إكس”، أنه “سيقف دائماً إلى جانب بلاده وجيرانها الحلفاء”، مشدداً على أن “هذه مسألة أوروبية تتعلق بعدد أكبر بكثير من الدول، وليس فقط تلك التي جرى توجيه الاتهام إليها حالياً”.

وأشار إلى أن السويد “تجري حالياً مناقشات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى النرويج وبريطانيا، من أجل صياغة رد موحد”.

“متروك للأوروبيين”

وكان الرئيس الأميركي أعلن، السبت، أنه اعتباراً من فبراير المقبل سيتم فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على السلع القادمة إلى الولايات المتحدة من دول أوروبية، على أن ترتفع لاحقاً لـ25%، في خطوة ربطها بالتوصل إلى اتفاق بشأن الاستحواذ على جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، معتبراً أن أمن “أميركا والسلام العالمي على المحك”.

وأعلن ترمب عبر منصة “تروث سوشيال” أنه “اعتباراً من 1 فبراير 2026، ستُفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على جميع السلع المرسلة إلى الولايات المتحدة من الدول المذكورة”، وهي الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وهولندا، وفنلندا، مضيفاً أنه “في 1 يونيو 2026، سترتفع الرسوم الجمركية إلى 25%”.

وقال ترمب إن هذه الدول “تلعب لعبة خطيرة جداً”، و”وضعت مستوى من المخاطر لا يمكن تحمله أو استدامته”، مشدداً على أنه “من الضروري اتخاذ إجراءات قوية لحماية السلام والأمن العالميين، وإنهاء هذا الوضع المحتمل الخطورة بسرعة ودون أي شك”.

وأعرب عن “انفتاح الولايات المتحدة فوراً على التفاوض مع الدنمارك أو أي من هذه الدول التي وضعت الكثير على المحك، على الرغم من كل ما قدمناه لها، بما في ذلك الحماية القصوى، على مدى عقود طويلة”.

من جانبه، قال الممثل التجاري الأميركي جيميسون جرير إن الأمر متروك لأوروبا لتقرير ما إذا كانت ترغب في تصعيد قضية الرسوم الجديدة.

وأشار جرير في تصريحات للصحافيين: “لو كنت مكان الأوروبيين، لكنت حاولت عزل هذا الملف إذا كان ذلك ممكناً”، مضيفاً: “إذا أرادوا جعله قضية ضمن اتفاق تجاري، فهذا قرارهم هم وليس قرارنا”.

شاركها.