وقع مسؤولون في الاتحاد الأوروبي وتكتل دول أميركا الجنوبية “ميركوسور” اتفاق التجارة الحرة، السبت، في باراجواي، مما يمهد الطريق لأكبر اتفاق تجاري للاتحاد الأوروبي على الإطلاق بعد مفاوضات امتدت 25 عاماً.
وبدأت المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وتكتل دول أميركا الجنوبية “ميركوسور” منذ عام 1999 تقريباً، أي قبل أكثر من ربع قرن من توقيع الاتفاق في 17 يناير 2026.
واستمرت المفاوضات رغم تعثرها بسبب عدة أسباب منها، اختلاف المصالح الاقتصادية، والاختلافات السياسية والبيئية.
ويتعين الآن موافقة البرلمان الأوروبي على الاتفاق الذي كان محل خلاف كبير في أوروبا، ويجب أيضاً أن يحظى بتصديق الهيئات التشريعية في الدول الأعضاء في “ميركوسور”، (وهي الأرجنتين، والبرازيل، وباراجواي، وأوروجواي)، والتي من المتوقع أن تكون عملية أكثر سلاسة.
وشارك رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في مراسم التوقيع التي أُقيمت في بارجواي، إلى جانب رؤساء دول تكتل “ميركوسور”، باستثناء الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي أوفد وزير خارجيته لتمثيله.
انتصاراً جيوسياسياً
ويمثل التوقيع الذي أُقيم في الباراجوي، انتصاراً جيوسياسياً كبيراً للاتحاد الأوروبي في عصر تتزايد فيه الرسوم الجمركية الأميركية وتتدفق الصادرات الصينية، إذ يوسّع الاتحاد موطئ قدمه في منطقة غنية بالموارد تشهد تنافساً متصاعداً بين واشنطن وبكين، وفق وكالة “أسوشيتد برس”.
كما يبعث الاتفاق برسالة مفادها أن أميركا الجنوبية تحافظ على علاقات تجارية ودبلوماسية متنوعة، حتى في الوقت الذي يعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب سعيه لفرض الهيمنة على نصف الكرة الغربي.
وقالت أورسولا فون دير لاين، التي تترأس الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، إن “الأهمية الجيوسياسية لهذا الاتفاق لا يمكن المبالغة في تقديرها”، وذلك في ظل تجدد الشكوك بشأن فوائد التجارة الحرة.
التجارة العادلة بدلاً من الرسوم الجمركية
ومع انطلاق مراسم التوقيع، أعلن ترمب فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على 8 دول أوروبية بسبب معارضتها للسيطرة الأميركية على جزيرة جرينلاند التابعة إلى الدنمارك.
وأضافت فون دير لاين، خلال الحفل الذي حضره رؤساء دول “ميركوسور”: “نحن نختار التجارة العادلة بدلاً من الرسوم الجمركية.. ونختار شراكة إنتاجية طويلة الأمد بدلاً من العزلة”. وتابعت: “سنوحّد جهودنا كما لم نفعل من قبل، لأننا نؤمن بأن هذا السبيل الأفضل لازدهار دولنا”.
وكان لولا دا سيلفا أشاد، الجمعة عشية الاتفاق، خلال لقاءه مع فون دير لاين بالاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور”، معتبراً إياه انتصاراً للتعددية في ظل حالة الاضطراب وعدم اليقين التي يشهدها العالم.
ورغم أن الاتفاق يلغي أكثر من 90% من الرسوم الجمركية على السلع والخدمات بين أسواق الاتحاد الأوروبي و”ميركوسور”، فإن بعض الرسوم ستُخفَّض تدريجياً على مدى 15 عاماً.
لكن فرنسا لا تزال تعارض الاتفاق، إذ يخشى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يدفع استياء المزارعين من الاتحاد الأوروبي مزيداً من الناخبين نحو اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
مخاوف أوروبية من الواردات الرخيصة
وحصل الاتفاق على الضوء الأخضر من معظم الدول الأوروبية، الأسبوع الماضي، رغم مخاوف عبّر عنها مزارعون وجماعات بيئية، حذّروا من تدفق واردات رخيصة من أميركا الجنوبية ومن زيادة محتملة في إزالة الغابات.
وأضافت فون دير لاين، التي التقت لولا قبل توجهها إلى أسونسيون لحضور مراسم التوقيع، أن الاتفاق سيُنشئ أكبر منطقة تجارة حرة في العالم. وأضافت في كلمة لها السبت: “هذا الاتفاق يبعث برسالة قوية للغاية إلى العالم. إنه يعكس خياراً واضحاً ومتعمداً للأوروبيين”.
من جانبه، قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا: “سيساعد هذا الاتفاق تكتلينا على التعامل مع بيئة سياسية تتسم باضطراب متزايد، من دون التخلي عن قيمنا، ويمثل محطة مفصلية حقيقية في تعزيز أمننا الاقتصادي”.
تحفظات تكتل “ميركوسور”
وفي حين أبدى مسؤولون في تكتل “ميركوسور” تحفظات بشأن بعض القواعد التنظيمية الواردة في الاتفاق، أكد الرئيس البرازيلي، الجمعة، أن الاتفاق سيفتح آفاقاً أوسع ويحفّز المزيد من التجارة والاستثمار لكلا الطرفين، وفق “رويترز”.
وقالت الحكومة البرازيلية، في بيان، إن الاتفاق “يمثل نموذجاً لجهود لولا دا سيلفا الرامية إلى توسيع وتنويع الأسواق”، مشيرة إلى أن أكبر اقتصاد في أميركا الجنوبية يجري أيضاً مفاوضات على اتفاقات مع كندا وفيتنام، إضافة إلى توسيع اتفاق تفضيلات جمركية مع الهند.
وبلغت قيمة التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور”، الذي يضم سوقاً يناهز 700 مليون نسمة، نحو 111 مليار يورو في عام 2024.
وتتركز صادرات الاتحاد الأوروبي بشكل رئيسي في الآلات والمنتجات الكيميائية ومعدات النقل، بينما تتكوّن صادرات “ميركوسور” أساساً من السلع الزراعية والمعادن ولبّ الخشب والورق.
