– أمير حقوق

وسط تصاعد التعقيدات الأمنية والسياسية في الجنوب والشمال السوري، يبرز الدور الأردني بوصفه أحد أنشط التحركات الإقليمية حضورًا وفاعلية في الشأن السوري خلال المرحلة الأخيرة.

واتجهت عمّان إلى تبني مقاربة استباقية تهدف إلى احتواء التوترات ومنع تمدد تداعياتها إلى داخل حدودها، مستندة إلى شبكة من التنسيقات الإقليمية والدولية التي تعكس تحوّل الأردن إلى لاعب دبلوماسي مهم في إدارة أزمات الجوار.

مساعٍ “بارزة” في أحداث السويداء وحلب

في تموز 2025، اندلعت اشتباكات عنيفة في السويداء بعد توترات بين مجموعات عشائرية وفصائل محلية، خلّفت مئات القتلى والجرحى ونزوحًا واسعًا للمدنيين، وردًّا على هذا التصعيد، لعب الأردن دورًا محوريًا في محاولة احتواء الأزمة.

وحينها، بادرت عمّان مع واشنطن ودمشق إلى التوصل إلى “خارطة طريق” مشتركة لحل الأزمة، تتضمن محاسبة المعتدين، وضمان تدفق المساعدات، وإعادة الخدمات الأساسية، ونشر قوات محلية لحماية الطرق وتأمين الاستقرار.

وشهد مطلع كانون الثاني الحالي اشتباكات في شمال حلب بين القوات الحكومية السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ما أدى إلى سيطرة الجيش السوري على حيي الأشرفية والشيخ مقصود، ودخوله مدينة دير حافر.

وقد انعكست هذه التطورات على المفاوضات الأردنية- الأمريكية، التي شددت في مباحثاتها على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار بين الجانبين، وضمان أمن المدنيين، ضمن رؤية مشتركة لتحجيم الفوضى في سوريا.

وفي هذا السياق، قال الباحث في الشؤون العربية علي فوزي، إن الدور الأردني في الأحداث الأخيرة داخل سوريا، يؤكد تحول عمّان إلى فاعل دبلوماسي إقليمي يسعى لاحتواء الأزمات قبل تمددها خارج الحدود السورية.

وأوضح فوزي، في حديث إلى، أن التحرك الأردني في السويداء كان أكثر وضوحًا وتنظيمًا مقارنة باشتباكات حلب، حيث انخرطت عمّان في جهود وساطة مباشرة بالتنسيق مع الولايات المتحدة والحكومة السورية، عبر ما عُرف بـ”خارطة الطريق السياسية والأمنية”، بهدف وقف التصعيد وضمان عودة الاستقرار إلى الجنوب السوري.

“الأردن ينظر إلى الجنوب السوري باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنه القومي، ولذلك فإن أي انفلات أمني في السويداء أو درعا ينعكس فورًا على الداخل الأردني، سواء عبر تهريب المخدرات أو السلاح أو تسلل الجماعات المتطرفة، بحسب ما قاله فوزي.

“إطفاء النيران”

الكاتب السياسي درويش خليفة، يرى أن الأردن منذ اللحظات الأولى لسقوط نظام الأسد كان مستعدًا لحماية حدوده واستتباب الأمن والاستقرار في سوريا.

وقال خليفة، في حديث إلى، إن كل الجهود الأردنية لضبط الأوضاع سواء على الحدود أو مع المكونات السورية المعارضة للسلطة الحالية كانت واضحة وبارزة.

ولفت إلى أن الدور الأردني منذ البداية كان يهدف إلى إطفاء النيران المتأججة في سوريا ومنع تصاعد الصراعات بين الحين والآخر، مشيرًا إلى أهمية هذا الدور في الأزمة الأخيرة في السويداء، وبخاصة العلاقة بين أهالي السويداء والسلطة في دمشق.

دوافع أمنية ودبلوماسية

لم يأتِ الحراك الأردني تجاه التطورات المتسارعة في الساحة السورية من فراغ، بل انطلق من حسابات دقيقة، بحسب المحللين والمهتمين بالشأن السياسي العربي، وأهم هذه الحسابات منع تحوّل سوريا إلى مصدر دائم للتهديدات الأمنية لجارتها الجنوبية.

الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” في واشنطن عمار جلو، يرى أن الأردن سعى إلى ضمان حضوره في أي توازنات أو عمليات بناء للدولة السورية الجديدة، بما يحفظ مصالحه ويؤمّن حدوده، خصوصًا في ظل تصاعد ملف تهريب المخدرات وتجارة السلاح، اللذين شكلا عاملًا مقلقًا يزعزع استقرار المنطقة.

كما احتضنت عمّان أول اجتماع تنسيقي بشأن سوريا بعد سقوط النظام، بالتعاون مع دول الخليج والمبعوث الأمريكي، وتطورت المستجدات لاحقًا خلال أحداث السويداء، حيث تشكلت لجنة خاصة في الأردن، وجرى العمل على خارطة طريق للمحافظة، كان للأردن فيها دور محوري، تعزز بعد اتفاق عمّان الخاص بالسويداء، وفق تعبيره.

وبرغم أن هذا الدور لم يحظَ بتغطية إعلامية واسعة، بحسب ما قاله جلو، فإنه تجلى من خلال مساعٍ أردنية لاستضافة لقاءات بين ممثلين عن حكومة دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهي لقاءات لم تُستكمل.

هذا المشهد، برأي جلو، عكس اتساع الدور الأردني ليشمل ملفات سورية تتجاوز الجنوب السوري، لا سيما بعد تعثر اجتماع باريس الذي كان مقررًا بين دمشق و”قسد”، ما دفع إلى إسناد دور تنسيقي للأردن في بعض القضايا السورية المرتبطة بالاستقرار.

ويبقى ملف الحدود الأردنية السورية أحد أكثر الملفات حساسية، حيث يشكل ضبطها من خلال التنسيق المشترك أولوية قصوى للأمن القومي الأردني، لما له من انعكاسات مباشرة على استقرار المملكة والمنطقة ككل.

دوافع التحرك مع واشنطن

حول دوافع التحرك الأردني المشترك مع الولايات المتحدة، أشار الباحث في الشؤون العربية علي فوزي، إلى أن هذا التنسيق تحكمه اعتبارات أمنية واقعية، في مقدمتها منع تحول الجنوب السوري إلى ساحة صراع مفتوحة أو منطقة نفوذ لقوى غير منضبطة.

الأردن يدرك أن العمل منفردًا في الملف السوري لم يعد كافيًا، بحسب تعبير فوزي، معللًا، “لذا يحرص على التحرك ضمن مظلة أمريكية تضمن الضغط السياسي والغطاء الدولي لأي تفاهمات ميدانية، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أو تدخل عسكري”.

كما لفت إلى أن عمّان تسعى من خلال هذا التنسيق إلى تقليص نفوذ الميليشيات العابرة للحدود، وضبط المشهد الأمني بما يحول دون تهديد استقرار المملكة أو جرّها إلى تداعيات الصراع السوري.

مصالح داخلية ودولية

تتموضع السياسة الأردنية في سوريا عند تقاطع حساس بين الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

فالتحركات الأردنية لا تأتي اعتباطيًا، بل تستند إلى تقدير دقيق للمصالح الوطنية والاستقرار الإقليمي، مع إدراك أن أي توتر في سوريا سيؤثر مباشرة على حدود المملكة ومواردها ومكانتها الدولية.

وبحسب خبراء وباحثين في الشؤون العربية، فإن هذه الاستراتيجية تنطلق من مبدأ الموازنة بين مصالح متباينة ومتعارضة أحيانًا، بحيث يستطيع الأردن حماية أمنه، وتعزيز اقتصاده، وترسيخ دوره كوسيط دبلوماسي إقليمي، دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة.

على صعيد المصالح السياسية والدولية للأردن، حدد الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” في واشنطن عمار جلو، عدة مصالح أردنية حيال تحركها الملحوظ في سوريا، الأولى تتمثل في عدم تحولها إلى منصة أو ممر لتهديد أمن المملكة أو زعزعة استقرارها.

فالأردن يبني سياساته الداخلية والخارجية على مبدأ موازنة المصالح المتباينة، بل والمتعارضة أحيانًا، بين الأطراف المحلية والإقليمية، بهدف الحفاظ على استقرار النظام السياسي، بحسب تعبيره، شارحًا، “من هنا، تنتهج عمّان سياسة غير تصادمية، قريبة من مختلف الأطراف، مع طرح مبادرات تهدف إلى تقريب وجهات النظر وصولًا إلى توافقات نهائية”.

دوليًا، يشكل استقرار سوريا مصلحة أساسية للأردن، لما يتيحه من إعادة فتح طرق الإمداد والتجارة عبر الجغرافيا الأردنية باتجاه دول الخليج وغيرها، وهو ما يمثل مكسبًا اقتصاديًا مهمًا لدولة تعاني شح الموارد وتعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات، أضاف جلو.

كما أن سوريا كانت خلال سنوات الثورة السورية عقدة مركزية لخطوط التجارة والطاقة الإقليمية والدولية، بما في ذلك مشاريع مرتبطة بروسيا وقطر وتركيا وإسرائيل، الأمر الذي يمنح الأردن لاحقًا فرصًا اقتصادية ونفوذًا سياسيًا، نظرًا إلى أهمية الدول التي تمر عبرها خطوط الإمداد.

إلى جانب ذلك، يرى جلو أن نجاح الأردن في الوساطات أو في احتضان أطراف إقليمية ومحلية سورية والتوصل إلى نتائج إيجابية، يعزز مكانتها الدولية كوسيط سياسي، وهو عامل بالغ الأهمية لصورة الدول النامية ودورها على الساحة العالمية.

 

التحركات الأردنية في سوريا تخدم ثلاثة مسارات رئيسة:

المسار الأمني: يتمثل في حماية الحدود الشمالية ومنع تدفق المخدرات واللاجئين.

المسار الاقتصادي: يتمثل بإعادة فتح خطوط التجارة والطاقة، والاستفادة من أي تهدئة تسمح بإحياء المشاريع الإقليمية العابرة للأراضي السورية.

المسار الدبلوماسي: يتمثل برغبتها في أن تكون فاعلًا دبلوماسيًا إقليميًا يسعى لاحتواء الأزمات.

علي فوزي

باحث في الشؤون العربية 

 

المصدر: عنب بلدي

شاركها.