عرضت الولايات المتحدة، استئناف جهود الوساطة لتسوية النزاع بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة، وذلك بعد 6 سنوات من مبادرة أميركية كادت أن تُنهي الخلاف المستمر بين دولتي منبع ومصب نهر النيل.
وفي رسالة وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، الجمعة، عرضت واشنطن استئناف الوساطة الأميركية مع إثيوبيا من أجل حل مشكلة “سد النهضة”، وشدد ترمب على ضرورة ألا تنفرد أي دولة بالسيطرة على مياه نهر النيل.
وأضاف ترمب: “أدرك أنا وفريقي الأهمية الكبيرة لنهر النيل لمصر وشعبها، وأريد مساعدتكم في التوصل إلى نتيجة تضمن احتياجات مصر والسودان وإثيوبيا من المياه على المدى الطويل”.
وشهدت الولاية الأولى لترمب انخراطاً مباشراً في جهود الوساطة بين مصر التي ترى أمنها المائي “قضية وجودية”، وإثيوبيا التي تتمسك بما تقول إنه حقها في التنمية.
ودخلت الولايات المتحدة رسمياً على خط مفاوضات سد النهضة في 6 نوفمبر 2019، عبر اجتماع في واشنطن استضافته وزارة الخزانة الأميركية، وشارك فيه وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، بحضور البنك الدولي. وخرج الاجتماع بـ”خريطة طريق” محددة.
ووضعت الأطراف منذ البداية، سقفاً زمنياً للمسار التفاوضي؛ إذ نص البيان المشترك على عقد أربع جولات فنية على مستوى وزراء المياه، يتبعها اجتماعات في واشنطن، بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السد بحلول 15 يناير 2020، في محاولة لدفع المفاوضات المتعثرة نحو حسم سريع تحت إشراف الولايات المتحدة، والبنك الدولي بصفتهما مراقبين.
لماذا بدأت الوساطة الأميركية؟
جاء التدخل الأميركي في لحظة كانت فيها المفاوضات الثلاثية قد استنزفت وقتاً طويلاً دون اتفاق نهائي على “قواعد الملء والتشغيل”، بينما كان السد يقترب من مراحل تشغيلية حساسة.
سعت واشنطن إلى إعادة ضبط الإيقاع، عبر مسار بجدول زمني وضغط سياسي مباشر، وهو ما عكسه لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الأولى، بوزراء خارجية الدول الثلاث في اليوم نفسه في البيت الأبيض، في إشارة إلى أن الملف أٌعطي وزناً سياسياً عالياً.
مسؤولون قادوا مسار الوساطة
من اللافت أن منصة الوساطة لم تُدار عبر الخارجية الأميركية، بل عبر وزارة الخزانة. وفي قلب هذا المسار برزت ثلاثة أسماء قيادية:
- وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوشين. استضاف الاجتماعات ووقّع بياناتها الرسمية باسم الوزارة.
- رئيس البنك الدولي، ديفيد مالباس. شارك بصفة مراقب إلى جانب وزارة الخزانة، وارتبط اسمه بجولات التفاوض في واشنطن في يناير وفبراير 2020.
- الرئيس دونالد ترمب. منح العملية غطاءً سياسياً عالي المستوى منذ انطلاقتها، بلقائه وزراء الخارجية الثلاث في البيت الأبيض.
جولة التفاوض التي جرت في الفترة بين 28 و31 يناير 2020 في واشنطن، كانت من أثقل جولات التفاوض خلال مسار الوساطة الأميركية، ليس فقط لطول المدة الزمنية، إذ استمرت لأربعة أيام، بل لأنها جمعت وزراء الخارجية والموارد المائية من مصر وإثيوبيا والسودان مع وفودهم في اجتماعات مكثفة، بحضور وزير الخزانة الأميركية ورئيس البنك الدولي بصفتهما “مراقبين” لمسار التفاوض.
وفي ختام الجولة، أعلن بيان مشترك، توصل الأطراف، إلى تفاهمات في ثلاث حزم حساسة، شملت “جدولاً مرحلياً” لملء السد، وآلية للتوافق أثناء الملء في حالات الجفاف، والجفاف الممتد، وفترات السنوات الجافة الطويلة، وآلية للتوافق بشأن التشغيل السنوي وطويل الأمد للسد في الظروف نفسها.
كما أشار البيان آنذاك، إلى أن الوزراء ناقشوا واتفقوا على “استكمال عناصر أخرى بقيت قيد الصياغة”، بينها آلية التشغيل في الظروف الهيدرولوجية “العادية”، وآلية للتنسيق، وبنود لتسوية النزاعات وتبادل المعلومات، إضافة إلى التوافق على معالجة سلامة السد والدراسات العالقة بشأن الآثار البيئية والاجتماعية.
وانتهت الجولة بتكليف الفرق الفنية والقانونية بإعداد نص “الاتفاق النهائي” متضمناً ما تم التوافق عليه، تمهيداً لتوقيعه من الدول الثلاث بحلول نهاية فبراير 2020، وهو ما جعل هذه الجولة تبدو كأنها “المنعطف قبل الأخير” قبيل الاتفاق.
غياب إثيوبي
وبعد أسابيع من جولة يناير 2020، كان من المتوقع أن تُوقع الدول الثلاث على الصيغة النهائية في واشنطن في أواخر فبراير 2020، لكن إثيوبيا تغيبت عن الاجتماع الختامي، بينما قامت مصر بالتوقيع بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق، التي جرى إعدادها برعاية وزارة الخزانة الأميركية، وبمدخلات فنية من البنك الدولي.
وقالت إثيوبيا حينها، إنها بحاجة إلى مزيد من المشاورات الداخلية قبل التوقيع.
في اليومين الأخيرين من مسار واشنطن، حاول وزير الخزانة الأميركي السابق، ستيفن منوشين، إنقاذ المسار عبر قناة ثنائية؛ بعد أن طلبت إثيوبيا تأجيل الجولة التي كانت تُوصف بأنها الجولة النهائية.
وبحسب بيان وزارة الخزانة الصادر في 28 فبراير 2020، شارك منوشين خلال 27 و28 فبراير 2020، في اجتماعات ثنائية منفصلة في واشنطن مع وزيري الخارجية ووزيري الموارد المائية في مصر والسودان، في وقت كانت فيه الدول الثلاث تتوقع أن تُتوج المحادثات بتوقيع اتفاق حول قواعد ملء وتشغيل السد.
عكست هذه الاجتماعات الثنائية، محاولة أميركية للحفاظ على المسار حياً “حتى في غياب الطرف الثالث”، عبر تثبيت ما اعتبرته واشنطن نقاطاَ تم التوافق عليها بالفعل، وبحث البنود المتبقية، وإبقاء الرسالة السياسية بأن الولايات المتحدة ستظل “منخرطة” إلى حين توقيع اتفاق.
وفي السياق نفسه، جاءت صياغة وزارة الخزانة لتشير بوضوح إلى أن الاختبارات النهائية للسد وبدء الملء “لا ينبغي أن يمضيا دون اتفاق”، وهو موقف قرأته أديس أبابا لاحقاً بوصفه جزءاً من ضغط سياسي متصاعد رافق الأيام الأخيرة للمفاوضات.
انتقال الوساطة إلى الاتحاد الإفريقي
عملياً، توقف مسار واشنطن مع نهاية فبراير 2020، بعد عدم توقيع إثيوبيا على النص الذي رُوج له كاتفاق “ضمن المتناول”، لتتحول الأزمة إلى ساحات أخرى.
وبحلول يونيو 2020 دخل الاتحاد الإفريقي على الخط عبر اجتماعات طارئة لمكتب الاتحاد، معلناً تبني عملية تفاوض “بقيادة إفريقية” مع مشاركة مراقبين وخبراء، في محاولة لإبقاء الملف داخل الإطار الإقليمي بدلاً من مسار واشنطن.
لماذا توقفت الوساطة الأميركية؟
توقف الوساطة الأميركية لم يكن نتيجة “واقعة واحدة” بل حصيلة عوامل متعددة، كان منها أن محور الخلاف، خاصة قواعد إدارة الجفاف، ومدى إلزامية التعهدات، وآليات فض النزاع، ظل عصياً على الحسم. كما أن إثيوبيا رأت أن “دور المراقب” تمدد إلى صياغة نص قانوني وضغط سياسي علني بشأن الملء. ما أضعف الثقة في حيادية المسار، وفق أديس أبابا.
وتعمق هذا الشرخ لاحقاً، عندما تحولت واشنطن من دور “المُيسر” إلى استخدام أدوات نفوذ مباشرة، ففي خريف عام 2020، وبعد أن بدأت إثيوبيا ملء السد من جانب واحد، قررت الولايات المتحدة تعليق ما يصل إلى 100 مليون دولار من مساعداتها لإثيوبيا، في خطوة قدمتها الإدارة الأميركية على أنها “تعليق مؤقت” لجزء من التمويل لدفع المفاوضات نحو اتفاق، لكنها قُرأت في أديس أبابا بوصفها ضغطاً سياسياً مرتبطاً بملف السد.
وأشارت تقارير إلى أن التعليق، طال برامج محددة مثل أمن الحدود والأمن الإقليمي، وبناء التوافق السياسي، وبرامج التغذية، فيما استُثنيت مساعدات إنسانية وصحية رئيسية، مثل برامج مكافحة HIV/AIDS ومساعدات الكوارث واللاجئين والغذاء.
بعد أشهر من تعثر مسار واشنطن، خرج ترمب بتصريحات أثارت ضجة واسعة عندما قال خلال مكالمة في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء السوداني آنذاك، عبد الله حمدوك، وأمام الصحافيين، إن الخلاف حول سد النهضة “خطير”، وإنه أبلغ مصر أن هذا الوضع قد ينتهي بأن “تقوم بتفجير السد”، وهو تعليق اعتبرته إثيوبيا تجاوزاً مباشراً لحدود الوساطة، واستدعت السفير الأميركي في أديس أبابا على خلفية ما وصفته بـ”تحريض على الحرب” بين مصر وإثيوبيا.
