حمد الناصري
مدينة كان مدينة تشتهر بمناظرها الخلابة، يُرمز إليها بسعف النخيل، مدينة ساحلية في جنوب فرنسا، عاصمة المهرجانات والفعاليات السينمائية، يُمكنك الوصول إليها عن طريق مدينة نيس التي بها أكبر مطار سياحي بفرنسا، وبها فندق “إيبيس بدجت” فندق جميل جدًا ورخيص في سعره.
يقع في قلب مدينة “كان” الحيوية بنشاطاتها وفعالياتها وهو قريب جدًا من محطة القطار، يوجد به كل ما يُمكن للسائح أن يحتاجه.
توقفتْ كارلا عن سرد تعريفها عن مدينة كانْ الفرنسية، حيث التقتْ عينيها بشاب يافع قادم من أقصى الشرق العربي، وكان يبدو منبهرًا بما يراهُ في المُدن الإفرنجية من جمال غير عادي، بادل كارلا التحية ذلك الشاب الذي يدعى ناصر السّالم كصديقة جديدة، وقال:
ـ أشكرك بأنكِ بالأمس قُمْتِ بواجب كبير في المطار، وعلى إتمامك معاملات الرحلة في المطار، وقد سُررت بك، وأنتِ تقدّمين لي خدماتك بدون مقابل مادي.
ابتسمت كارلا ابتسامة زادتها جمالًا وجاذبية إلى ما تحظى به من جمال وجاذبية ، لقد أسعدني أنْ أقدم لك خدماتي ثم أردفت هل جئت وحدك إلى فرنسا بلا رفيق.
ردّ عليها: ـ نعم، أنا هنا وحدي.
ابتسمتْ “كارلا” وهزّت رأسها قائلة ألَمْ يكن معك صديقًا فافترقتما،
انصدم ناصر السالم وشعر بالدهشة وتفاجأ بمعرفته بصديقه الذي كان معه.. فأردفت كارلا، وكما تبدو ملامحه إنها من بلد المغرب، أليس كذلك؟
صُدم ناصر السالم وحدّث نفسه كيف عرفتْ.؟ ثم قال في نفسه ربما رأتنا معًا عند نزولنا من الطائرة إلى صالة المطار.. وأخذ يتذكّر، لكن موظفة الكاونتر.. قطعت عليه تفكيره:
ـ أين حجز الفندق؟
فقدّم لها قسيمة الحجز، ودوّنته معها، ثم أردفت:
ـ هل لديك أصدقاء هنا؟
سكتت كارلا قليلاً ثم عقّبت:
ـ أبدو أنا وحدي هنا.
تبادلا الابتسامات.. وضعتْ كل المرفقات بالجواز، وقالت:
ـ بونجور آتوس.
ابتسم ناصر السّالم، ولو لم يكن يعرف المقصد.. عقَّبت كارلا لموظفة الجوازات بالمطار: “ميرسي بور سلي”.
كان الجواز وبقية المرفقات بيد ناصر السّالم.. وكارلا تمشي إلى جانبه لتخليص حقيبته الصغيرة.. قالت كارلا وهي تلتفت إلى ناصر السّالم:
ـ هنا في كانْ وفي فرنسا عمومًا عليك أن تستمتع بحياتك، وستكون سعيدًا .
قال ناصر السّالم ضاحكًا: وهل…؟ وسكت..
عقّبت كارلا:
لا تخف، لكن لكل شيء ثمن؛
عقّب ناصر السّالم باندهاش: كيف، ولماذا؟
فردت كارلا بابتسامة:
هذا الكلام يسري على أيّ شيء بفرنسا تريده فهو بثمن، ناهيك عن مدينة كانْ، ففي شهر مايو من كل عام تحتفل مدينة كانْ بمهرجاناتها وفعالياتها المُرتّبة والمحسوبة بدقة فائقة، كل شيء في هذه المدينة دقيق لا يزيد ولا ينقص.
كان هذا اللقاء أوّل لقاء حدث بينهما في المطار . فجأة ظهر مدير الفندق يمشي بخطوات مُسرعة نحوهما:
ـ أنت ناصر السّالم؟
ـ نعم أنا هو، تفضل.؛
ردّ مدير الفندق معرّفاً بنفسه:
ـ أنا من إدارة الفندق.
ـ تعالا معي.
كان ناصر السالم وصديقته كالا يَمشيان خلف المدير، وفي صالة الفندق كانت المُفاجأة، إثْنان من الشرطة، ومعهما إثْنان بغير الزي العسكري، قاداهُما إلى غرفة منزوية داخل الفندق، في ركن قصيّ.
قال الرجل الأربعيني ذو البشرة الحمراء، وكأنّ بجسده صدفيّة:
ـ نحن من أمن المطار، ولدينا تخويل للتحقيق معك في حادثة حقيبة صغيرة، تؤكد المصادر أنها لك، فماذا بداخلها؟!
ثم استدركَ الرجل الأربعيني:
ـ ومن هذه الفتاة؟
شعر ناصر السّالم بالقلق في داخله، وبدأتْ تنتابه بعض المخاوف ثم رد بصوت متحشرج:
ـ أنا لا أعرف هذه الشابة، التقيتُ بها في المطار ليلة البارحة، ساعدتني وقدّمت لي خدماتها، ثم حضرتْ معي كما ترون.
قال الرجل الأربعيني وماذا في الحقيبة؟ قال ناصر السالم: أي حقيبة؟ نظر إليه بنظرة مُتفحصة مليئة بالتدقيق:
ـ قل الحقيقة، ولا داعي للإنكار…، جِئْنا لنفهم منك، قبل الدخول معك إلى إجراءات أخرى.
ظلّ ناصر السالم صامتًا مرتعشًا.
قال المحقق:
ـ لا داعي للخوف، كنْ صادقًا معنا، وسوف تُغادر في الحال.
قال ناصر السّالم وهو يرتعش:
ـ ليس لديَّ ما أقوله لكم، لا دخل لي بالحقيبة، ولا أعرف عنها شيئًا، ولا أعلم غير ما علمته منكم الآن.
هزّ المحقق رأسه بعد تلقيه إشارة بحركة العين من كارلا، ثم قال الرجل الثاني الذي كان إلى جانب المحقق:
ـ أنتَ تُدعى ناصر السّالم، وكُنيتكَ المعلّم، شرقي المولد، سِحْنتك عربية، أليس كذلك.؟
سكت ناصر السالم وكتم غيظه بداخله.. ثم أردف رجل الأمن بالمطار:
ـ إقرأ لي رقم جوازك.
ردّ ناصر السالم: “0*15*79، والرحلة رقم 701.
ثم أكمل رجل أمن المطار:
ـ جئت على طيران المملكة المغربية Royal Air Maroc؟ وكان وصولك بالمطار في الساعة 12:49صباحًا، وبصحبتك رجل لا يُشبهك، يبدو أقرب إلى عُمرك.؛
عقّب ناصر المعلّم:
ـ جئت لوحدي إلى فرنسا، عبر الخطوط الجوية المغربية، وكل البيانات التي طرحتها صحيحة، أما ذلك الرجل ربما هو من المغرب العربي، التقيته في بلده المغرب بادئ الأمر، ثم بدتْ علاقتنا، ونحن على الطائرة ووعدني أن يزورني بالفندق المعرّف باستمارة بيانات الوجْهة.
الْتَفت رجل الأمن إلى الرجل الصامت الذي يُرافقه، وكأنه يأخذ الإذن منه:
ـ هذا بالنسبة للشخص المغربي، لكن ماذا عن هذه الشابة الفرنسية. وأشار إليها بسبابته.
عقب ناصر المعلّم:
ـ كلاهما ليسا معي، فأنا جئت وحدي.
قال رجل أمن المطار مستدركًا:
ـ جئت وحدك من المغرب أليس كذلك؟
هزّ ناصر المعلّم رأسه إيجابًا أي نعم، وفي مطار نيس الدولي وجدتُ هذه الشابة التي قالت إنها فرنسية.
قال المحقق: ما اسمها؟
تأتأ ناصر المعلّم ولم يَعرف الإجابة؟ لكنه بذكاء ودهاء سأل المُحقق: ما اسمك؟ لأنك تُحدّثني ولا أعرف اسمك.
ابتسم المُحققان معًا، فعقبتْ الشابة الفرنسية:
ـ سيدي أنا اسمي كارلا من مدينة ترافيل ديف، عازبة، وأعمل لحسابي الخاص، أخلّص إجراءات سفر وبضائع بمقابل زهيد، لكني لم أطلب من هذا الشاب العربي مبلغ مقابل خدمتي، فقد عرفت أنه لأول مرة يأتي إلى فرنسا، وهو شاب عربي شرقي، تبدو عليه ملامح السماحة واللطافة والترفيه، فتبادلتُ معه أطراف الحديث، وكان مزاجهُ رائقًا، فوددت خدمته؛ تعبيرًا عن ثقافتنا الغربية، وكما يبدو أنه حضر للسياحة والاستجمام لا غيرها.
يتبع 2
