جان يعقوب جبور
في زمن التحولات الكبرى والصراعات المفتوحة في منطقتنا، لم تعد المعركة محصورة بالسلاح والاقتصاد والسياسة، بل امتدت إلى ساحة أخطر وأكثر تأثيرًا: ساحة الكلمة. هنا، برزت فئة من الكتّاب والإعلاميين الذين تحوّلت أقلامهم من وسيلة تنوير إلى أداة تضليل وتبرير وخيانة للوعي العام.
الأقلام الخائنة ليست بالضرورة تلك التي تختلف في الرأي؛ فالاختلاف جوهر الحياة السياسية والفكرية؛ بل هي الأقلام التي تتعمّد تزوير الحقائق، وتبرير الجرائم، وتشويه قضايا الشعوب العادلة، خدمةً لأجندات خارجية أو مصالح سلطوية ضيقة، مقابل نفوذ أو مال أو حماية سياسية. ومن خلال الانحراف المهني، تأخذ الخيانة عدة أشكال منها: تبييض الاحتلال والعدوان عبر خطاب «الواقعية السياسية» أو «حق الدفاع عن النفس»، وشيطنة المُقاومة وتحويلها إلى عبء على الأوطان بدل كونها ردّ فعل على القهر والاحتلال، وتسويق التطبيع بوصفه «خيار السلام الوحيد»، مع تغييب كلفة الاستسلام التاريخية، تجريم الضحية وتبرئة الجلاد؛ سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا أو اليمن أو غيرها من ساحات النزاع وأخيرًا وليس آخرًا، إثارة النعرات الطائفية والمذهبية لتفكيك المجتمعات من الداخل.
ويرى خبراء الإعلام الحُر أنَّ انتشار الأقلام الخائنة يعود إلى عدة عوامل متداخلة: ارتهان بعض المؤسسات الإعلامية لمصادر تمويل خارجية؛ غياب مواثيق الشرف الإعلامي الرادعة أو عدم تطبيقها، وتسييس الإعلام وتحويله إلى جزء من أدوات الصراع الإقليمي والدولي، وهشاشة الوعي العام أمام سيل المعلومات المُضلِّلة. ولا يقتصر ضرر هذه الأقلام على تشويه الحقيقة الآنية، بل يتعداه إلى: إرباك الوعي الجمعي وفقدان الثقة بالإعلام، وإضعاف المناعة الوطنية أمام التدخلات الخارجية، وشرعنة الهزيمة النفسية وتسويقها كحكمة سياسية وتطبيع الظلم وتحويله إلى أمر اعتيادي.
وبين حرية التعبير والمسؤولية الوطنية، يؤكد مختصون أن مُحاسبة الأقلام الخائنة لا تعني قمع حرية الرأي؛ بل حماية الحق العام في معرفة الحقيقة؛ فحرية التعبير لا تُبرِّر التحريض على الكذب، ولا تمنح غطاءً أخلاقيًا لتبرير الجرائم أو بيع القضايا. وهنا يأتي دور القارئ والنخب في مواجهة هذا الواقع، وتبرز مسؤولية مضاعفة على القارئ الواعي في التحقق من المصادر ومساءلة الخطاب الإعلامي وعلى النخب الثقافية والإعلامية الشريفة في فضح التضليل وتقديم خطاب مهني بديل وعلى المؤسسات التعليمية تعزيز التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة.
وفي الخلاصة.. في معركة الوعي، لا تقل خطورة القلم الخائن عن أي أداة عدوان أخرى؛ فالكلمة التي تُباع، تُسهِم في هزيمة أُمَّة بأكملها. وبين إعلام حُر ومسؤول، وإعلام مأجور وخاضع، يبقى الرهان على وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين قلمٍ يكتب للحقيقة وقلمٍ يكتب ضدها.
