– محمد ديب بظت

لم يكن الزعتر بالنسبة لأهالي حلب مجرد مزيج من الأعشاب والبهارات، بل أصبح رمزًا للمائدة وذاكرة المدينة، إذ يحتفظ الحلبيون بعلاقة خاصة بهذا المزيج الأخضر، الذي صار مع مرور الزمن عنوانًا للفطور الصباحي، ولرائحة الخبز الساخن من التنور، وللهدية التي لا تخلو منها حقائب المسافرين خارج المدينة.

منذ عقود، اعتاد الحلبيون أن يبدؤوا نهارهم بوجبة بسيطة تجمع الزيت والزعتر، إلى جانب الشاي، وفيما تتبدل عادات الناس وأسعار المواد، يبقى الزعتر “سيد المائدة الحلبية”، كما وصفته هدى مصري، سيدة حلبية (65 عامًا)، فالزعتر ليس مجرد طعام، بل طقس يومي يوحد الناس حول نكهة لا تشبه سواها.

وتابعت هدى حديثها ل، بأن الزعتر حاضر في كل بيت حلبي، من الأحياء الشعبية إلى الراقية، ورائحته أول ما يستقبلك به المطبخ صباحًا، وأحيانًا آخر ما يودعك به المساء حين يحمّص على الخبز.

صناعة لها ذاكرة

في حي الكلاسة القديم، تتناثر محال صغيرة تعود إلى عائلات امتهنت خلط الزعتر وتجفيفه منذ عقود، ومن هناك روى أحمد قبرصي، أحد أقدم العاملين في هذه الحرفة، كيف بدأ والده العمل في صناعة الزعتر منذ خمسينيات القرن الماضي، حين كانت مكوناته تُجلب من ريف حلب الجنوبي وبلدات إدلب.

الزعتر الحلبي له نكهة مختلفة لأنه يعتمد على توازن دقيق بين الأعشاب، إذ يستخدم الزعتر البري المجفف، قبل خلطه مع السماق والسمسم وحبات الكزبرة واليانسون، ثم يضاف القليل من الحمّص المحمّص المطحون، وهذا يمنحه طعمًا أغنى من بقية الأنواع المنتشرة في المحافظات الأخرى.

أحمد ذكر ل أيضًا، أن الخلطة الحلبية كانت دائمًا سرًا تتوارثه العائلات، ولكل عائلة لمستها الخاصة، كما أن الطلب على الزعتر لا يتوقف لأنه رمز للبساطة والارتباط بالبيت.

شرح أحمد عملية صناعة الزعتر، إذ يبدأ الأمر بجمع الأعشاب البرية من المزارع والجبال المحيطة بحلب، ثم تُغسل وتُنشر لتجف في الهواء الطلق.

بعد التجفيف، تبدأ عملية التحميص الخفيف في مقلاة كبيرة على نار هادئة، حتى يظهر عبق الزعتر ويكتسب نكهته المميزة، بعدها تُطحن المكونات مع السماق والسمسم والبهارات الأخرى، ويُخزن الخليط في عبوات زجاجية (مرطبانات) محكمة الإغلاق للحفاظ على الطعم والرائحة.

قال أحمد، إن كل خطوة دقيقة، لأنها تحافظ على الطعم الأصلي، فإذا قلّ التحميص أو ازداد، يتغير مذاق الزعتر بالكامل، فـ”الحرفة ليست مجرد خلط مكونات، بل فن دقيق تتوارثه الأجيال”.

محل لبيع الزعتر الحلبي في حي الجميلية وسط مدينة حلب- 15 تشرين الثاني 2025 ()

محل لبيع الزعتر الحلبي في حي الجميلية وسط مدينة حلب- 15 تشرين الثاني 2025 ()

البيع والهدايا

البائع والمصنّع محمد قضيماتي، تحدث ل وهو يقف أمام أحد محال باب الفرج، بين أكياس الزعتر، قائلًا إن الزبائن يأتون من كل أنحاء المدينة، وأحيانًا من المحافظات الأخرى، يطلبون الزعتر الحلبي لأنه أصلي ويذكّرهم بمذاق المدينة، كل “مرطبان” نحضره هو رسالة صغيرة من حلب، عن تاريخها وحرفتها.

ونوه محمد إلى أنه حتى مع دخول الآلات في الطحن والتعبئة، حافظ الحلبيون على الأسلوب التقليدي في التحميص والخلط، فالزبائن يريدون معرفة كل خطوة، كيفية تحميص المكونات وطحنها، وكيف يتم المحافظة على الخلطة القديمة، لأن هذا جزء من الطقس نفسه، من روح الزعتر الحلبي.

نكهة تعبر الحدود

في ألمانيا، يعيش إبراهيم صدور، شاب حلبي ترك المدينة عام 2015، لكنه ما زال يحتفظ دائمًا بـ”مرطبان” صغير من الزعتر الحلبي.

وقال إبراهيم ل، “كلما فتحت المرطبان أشم رائحة حلب”، فطعم الزعتر يعيده إلى أجواء بيته في حي المشهد، وإلى أجواء الفطور مع أهله، وإلى رائحة الزيت البلدي على الخبز.

“الزعتر الحلبي طعمه يحمل رائحة من تراب البلد”، فالمسألة ليست فقط في الطعم، بل في الذاكرة التي تعيش في الطعم، معتبرًا أن الزعتر صار رمزًا للدفء، ولصوت العائلة حول المائدة، ولكل شيء افتقده خلال الاغتراب.

حضور ثقافي وهوية

وصف البائع محمد قضيماتي الزعتر بأنه أكثر من كونه طعامًا شعبيًا، فهو يمثل جانبًا من الذوق الجمعي الحلبي الذي يجمع بين البساطة وإتقان التحضير.

واعتبر أن الزعتر في ثقافة المدينة يشبه الموشحات والمأكولات الأخرى التي تتقاطع فيها الحرفة مع الحنين، لذلك لا يمكن فصله عن ذاكرة الحارات القديمة والمطابخ التي كانت تعده يدويًا.

وذكر أن الزعتر حافظ على حضوره رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية، لأنه يحمل شعور الانتماء، ويذكّر الناس بجذرهم الأول مهما ابتعدوا.

وتختلف طرق التحضير اليوم، إذ دخلت الآلات، لكن معظم مصنعيه ما زالوا يعتمدون على الأساليب التقليدية في التجفيف والتحميص.

وقال محمد، إن الناس اليوم صاروا يبحثون عن الطعم الأصيل، حتى الشباب الذين لم يعاصروا حلب قبل الحرب، فإنهم يسألون عن الزعتر البلدي الحقيقي، هذا الطلب هو نوع من المقاومة الثقافية والاجتماعية أمام كل ما تغير في الطقس أو الطعام أو العلاقات.

توأما المدينة

على امتداد أسواق حلب القديمة، تنتشر رائحة الزعتر ممزوجة برائحة الصابون التقليدي، إذ يشكلان معًا لوحة حسية تعكس روح المدينة، الزعتر يهمس بحكايات الفطور والمائدة اليومية، برائحة الزيت على الخبز الساخن، وبالبهارات التي تملأ الأجواء، بينما الصابون يحكي عن التراث والحرف اليدوية، عن أيدي عمال يمسكون بالخلطات بعناية وصبر.

وصف محمد شيخ أسليم، أحد سكان إدلب، هذا الأمر بأن الزعتر والصابون دائمًا معًا، وكأنهما توأمان يقدمان حلب بكل دفء بمطابخها وحرفية محالها، وأصالة الصناعة التي صمدت عبر الزمن.

تتداخل الروائح، فيصبح السوق أشبه بمسرح صغير للحواس، عبق الزعتر يفتح أبواب الذاكرة لكل من عاش بالمدينة، ويعيده إلى مطابخ البيوت القديمة، بينما رائحة الصابون تعبر عن الحرف والتراث وتذكّر الزائر بأن حلب ليست مجرد مبانٍ وأسواق، بل حياة تتنفس في كل زاوية وركن، وكل حارة وسوق.

وقال محمد ل، إن الزائر القادم لأول مرة لا يحتاج إلى النظر ليعرف حلب، لأن الرائحة وحدها تكفي لتصنع له تجربة المدينة كاملة، بين الأصالة والبساطة، بين الحياة اليومية والذاكرة الحلبية التي تتجسد في كل نفحة من نفحات أسواقها القديمة.

ذاكرة المدينة في نكهة

الزعتر الحلبي ليس مجرد منتج غذائي أو خلطة عطرية، بل جزء من هوية المدينة ولغتها الحسية، ينقل الذاكرة عبر الروائح والطعم.

بالنسبة لكثير من الحلبيين، في الداخل أو المهجر، ما زالت رائحة الزعتر تفتح الباب نحو زمن مختلف، وتستدعي وجوهًا وأصواتًا لم تعد في المكان.

ربما لهذا السبب، كما قال محمد قضيماتي، “لن يختفي الزعتر من المائدة الحلبية، لأنه ليس مجرد طعام، بل ذاكرة تؤكل”.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.