تتكرر المعاناة الإنسانية في كل عام لسكان المخيمات في سوريا، خاصة بالشمالي الغربي، حيث تزداد الأزمات مع دخول فصل الشتاء، وما يرافقه من برودة في الطقس، فوق خيام قماشية غير مهيأة، وأعباء مالية إضافية على أهالٍ لا يجدون الحدود الدنيا من مقومات الحياة.
ومع انتهاء الحرب والمعارك في مساحات واسعة، يأمل السوريون بهدم الخيمة الأخيرة، إلا أن الطريق إلى ذلك لا يزال بعيد المنال، وسط أزمات اقتصادية تعصف بسوريا والسوريين، وقرى وبلدات ما زالت مدمرة، أو غير صالحة للعيش، خابت آمال أهاليها من العودة إليها بعد سقوط النظام.
ووسط هذه الأزمات، تبدو المبادرات الحكومية، الرامية إلى إنهاء هذا الملف، خجولة ومخيبة لآمال سكان المخيمات، الذين عولوا طوال السنوات السابقة على منظمات وجمعيات خيرية، قلصت بدورها أيضًا من الدعم المقدم لهم مؤخرًا، ما انعكس سلبًا على الأهالي.
تروي، في هذا الملف، قصص سكان من هذه المخيمات، تحدثوا عن معاناتهم والحال التي يعيشون فيها، وتبحث في موانع عودتهم، وأسباب بقائهم بالمخيمات، كما تناقش دور الحكومة والمنظمات، وخططها في هدم الخيام المتبقية، وطي صفحة البؤس الذي رافق اسم سوريا، على الصعيد الإنساني، طوال السنوات الماضية.
كـ”المستجير من الرمضاء بالنار”، يعود مدحت أحمد العلوش، إلى مخيمه بعد أن وجد قريته، قبر فضة في ريف حماة، قاحلة لا تصلح للحياة، ليقرر العودة إلى مخيمه في “تجمع لأجلكم” الواقع بين قريتي قاح وعقربات في ريف إدلب، حيث لا ماء في المخيم، ولا خبز، ولا سلال إغاثية تصلهم، فضلًا عن تهدم بعض المباني الأسمنتية التي بنوها، إثر هطول الثلج في المنطقة.
يعيش المدرّس أحمد (48 عامًا) في مخيم “تجمع لأجلكم” مع أولاده الثمانية، ويعتمدون جميعًا على راتب لا يتجاوز 125 دولارًا أمريكيًا، يتقاضاها بشكل شهري، يروي ل معاناته التي تتكرر في كل عام، خاصة من فصل الشتاء القاسي، وما يحمله من هموم مضاعفة، تصعّب ظروف الحياة على سكان المخيمات، سواء الخيام القماشية أو الأسمنتية، التي لا تقل سوءًا عن الأخرى.
إضافة إلى معاناته، يخشى أحمد أن يطالب صاحب الأرض التي يقام عليها المخيم باستعادة أرضه، كما فعل صاحب الأرض التي بني عليها المخيم المجاور، والذي أخرج سكانه منه وجرّف الأراضي الزراعية، حيث يتساءل، إلى أين سيذهب، خاصة في فصل الشتاء.
وتبرز معاناة عائلة أحمد وجيرانه، وكذلك كل سكان المخيمات، في تأمين مواد التدفئة، مرتفعة الثمن، حيث يستعيض عنها بحرق الأحذية والقماش وكل ما يجد أمامه.
قصة أحمد مشابهة أيضًا لقصة بسام العبدو، الذي بقي في مخيم “الكرامة” برفقة أربعة من إخوته ووالديه، حيث يشكو من انعدام المياه والدعم بالسلال الغذائية.
يعيش أيضًا بسام مع أولاده الثمانية، حيث وصل أحدهم إلى مرحلة الشهادة الثانوية (البكالوريا)، على راتب لا يتجاوز 120 دولارًا.
ويطالب سكان المخيمات، الذين التقتهم، بالدعم المالي، إضافة إلى المساهمة في إعادة بناء بيوتهم المهدمة، التي هُجروا منها ولم يستطيعوا العودة إليها.
ويجمع سكان المخيمات الذين قابلتهم على تراجع حملات المنظمات المدنية والإغاثية منذ سقوط نظام الأسد، مع توجه هذه المنظمات إلى ملفات أكبر على مستوى سوريا، بعدما كان نشاطها محصورًا في شمال غربي سوريا.
وبينما يقتصر الدور الحكومي في المخيمات على مشاريع محدودة، منها تعبيد بعض الطرق أو الاستجابة للحالات الطارئة، يطالب المهجرون بدور أكبر في بلداتهم ومدنهم الأصلية ما يتيح لهم العودة إليها.
أوضاع إنسانية صعبة في مخيم الشرقية في مدينة الباب بريف حلب الشرقي – 9 كانون الثاني 2026 ()
بعد التحرير.. المخيمات ما زالت موجودة
يأمل السوريون، بعد انتهاء العمليات العسكرية في سوريا منذ سقوط النظام، في 8 من كانون الأول 2024، بإزالة الخيام التي كانت رمزًا لمعاناة السوريين طيلة السنوات الماضية، والتي تبرز إلى الواجهة مع مرور فصل الشتاء، واشتداد العواصف والبرد.
ومن ضمن أكثر من سبعة ملايين نازح في سوريا، لا يزال 1.79 مليون شخص يقيمون في 1782 مخيمًا للنازحين، في شمال غربي وشمال شرقي سوريا، بحسب تقرير للأمم المتحدة، صدر في تشرين الثاني 2025.
وفي حين يعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، فإن 70% منهم يعيشون في فقر مدقع.
يقف آلاف السوريين النازحين في مخيمات الشمال، بعد مرور عام على تحرير بلداتهم، عند مفترق طرق. لم يعد الأمان هو الشرط الوحيد لعودة النازحين إلى ديارهم، فقد برزت تعقيدات حولت حلم العودة إلى مستحيل.
التحرير لم يحرر النازحين بعد من قيود واقعهم، والعودة الآمنة تبقى مرتبطة بحل يجمع بين إعادة الإعمار المادي واستعادة البنى الخدمية وخلق بيئة اقتصادية تسمح بإعادة بناء الحياة.
ودون ذلك، ستظل المخيمات “مؤقتة” بطريقة قاسية، وحلم العودة مجرد أمنية تذوب مع كل شتاء.
حلم المأوى
تقف حقيقة الدمار العمراني الشامل الذي خلّفته الحرب حاجزًا ماديًا ونفسيًا أمام العودة، فالبيت ليس مجرد جدران وسقف، إنه الشرط الأول والأساسي لأي حديث عن عودة.
من خلال جولة ميدانية أجرتها في أحد مخيمات الشمال السوري، يتحدث سليمان أبو داود (45 عامًا) من دير الزور، ويُلخص المفارقة بالقول، “خرجنا من بيوتنا شبابًا عزابًا، وتزوجنا وصارت لدينا عائلات، وسنعود إليها اليوم أرباب عائلات، فالبيت لم يعد يتسع لنا”.
وأضاف أن المنزل الذي كان يؤويهم يحتاج إلى إعادة تأهيل بتكلفة 4000 دولار، وتمثل هذه التكلفة حاجزًا لا يمكن تجاوزه في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة.
أما عصري بكر الظاهر (52 عامًا) أحد قاطني المخيمات فوصف واقعه ل بأن منزل العائلة مدمر ومسوّى بالأرض، كما فقد كل ما يملك من أثاث ومتاع، مضيفًا أن “تكلفة إعادة تجهيز منزل بسيط وتأمين مستلزمات المعيشة أصبحت فلكية مقارنة بالدخل المعدوم”.
ويتساءل، “حتى لو بنينا الجدران، من أين نأتي بالأثاث؟ أين نؤمّن لقمة العيش وسط غياب فرص العمل؟”.
من جانب مشابه، يروي المواطن غضبان أبو حمزة تفاصيل صادمة حول الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات، إذ قال، “لقد بعت منزلي قبل التحرير بمبلغ 6000 دولار، لكن المنزل نفسه اليوم تجاوز سعره 30 ألف دولار”، بحيث وصل إلى خمسة أضعاف القيمة السابقة، متحسرًا على التغيير وعجزه عن إعادة الشراء أو الاستقرار مرة أخرى في منطقته الأصلية.
مليونا منزل مدمر
تعرضت مئات الآلاف من المنازل في سوريا للدمار الكلي أو الجزئي بسبب العمليات العسكرية، خاصة القصف الذي مارسه النظام السابق، من خلال مدفعياته ودباباته.
الأمين العام المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري، قال إن عدد المنازل المدمرة كليًا أو جزئيًا في سوريا يقترب من مليوني منزل، بينها 375 ألف منزل دُمّر بالكامل، وأكثر من مليون ونصف مليون منزل تضررت جزئيًا.
وأضاف الدردري أن “تكلفة إعادة بناء هذا العدد من المساكن وحدها تتطلب عشرات المليارات من الدولارات، وهذا دون حساب القطاعات الأخرى المتضررة”.
“التدمير المادي الهائل ليس هو الخسارة الوحيدة”، بحسب الدردري، موضحًا أن “الاقتصاد السوري تكبد خسائر بنيوية عميقة، وأن الناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز اليوم 30 مليار دولار فقط، في حين كان من المفترض، وفقًا لتقديرات سابقة، أن يبلغ 125 مليار دولار بحلول عام 2025، أي أن سوريا تخسر فعليًا أكثر من ثلاثة أرباع قدرتها الاقتصادية المتوقعة”.
ومن المتوقع أن تتراوح تكاليف إعادة إعمار الممتلكات المادية المتضررة بين 140 مليار دولار و345 مليار دولار، مع تقدير متحفظ يصل إلى 216 مليار دولار، بحسب تقديرات البنك الدولي، في حين ذهبت تقديرات أخرى لأرقام أعلى، إذ قدّر وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، التكلفة بتريليون دولار.
ويشمل ذلك 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية. ومن المتوقع أن تحتاج محافظتا حلب وريف دمشق إلى أكبر قدر من استثمارات إعادة الإعمار، بحسب تقرير البنك الدولي الذي صدر في 21 من تشرين الأول 2025.
الكابوس الاقتصادي
وسط الظروف التي يعيشها النازحون في مخيمات الشمال السوري، تبرز ظاهرة فقدان الأمل في بناء مستقبل اقتصادي داخل الديار المدمرة، فالواقع المعيشي صعب للغاية، وتتلاشى قيمة الجهد مقابل غلاء فاحش يطول أبسط مقومات الحياة.
يتحدث بشار السعد عن واقع العمل في منطقته، مشيرًا إلى أن فرص العمل المتاحة لا توفر الحد الأدنى من الكرامة المعيشية.
ويؤكد أن الأجور اليومية التي يتقاضاها العمال أصبحت زهيدة جدًا ولا تتناسب مطلقًا مع ساعات العمل الطويلة أو الجهد المبذول.
“أعمل يومًا كاملًا مقابل أجر لا يكفي لتأمين وجبة طعام واحدة للعائلة، فكيف أعود لبلدي في ظل هذا الواقع؟”، يطرح بشار تساؤلًا وسط الغلاء الفاحش في الأسعار وصعودها المستمر، بينما دخله ثابت لا يتغير.
ويضيف أن العودة الطوعية والآمنة للنازحين لا يمكن أن تتحقق بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل تتطلب أمانًا معيشيًا يبدأ بخلق فرص عمل حقيقية بمرتبات عادلة، وضبطًا في أسعار السلع الأساسية، ودعم مشاريع للعائدين تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم.
تظهر معاناة جاسم العلي من ريف حلب والمقيم بأحد المخيمات بشكل آخر، فيروي عائق عودته من ناحية اقتصادية وخدمية في الوقت نفسه، ويقول ل، إنه يملك أرضًا في قريته ولكنه يعجز عن البناء بسبب تعقيدات التراخيص وتكاليفها الباهظة.
“حلمي اصطدم بواقع حيث تفرض البلدية رسوم ترخيص تصل إلى 500 دولار أمريكي، أنا أملك الأرض، لكن لا أستطيع وضع حجر واحد فوقها”، أضاف جاسم، “هذا المبلغ الضخم يعادل تكلفة بناء الغرف نفسها، ولا أملك منه شيئًا”، بحسب جاسم الذي يصارع يوميًا لتأمين لقمة العيش لعائلته.
شلل خدمي
يبرز الواقع الخدمي في المدن والقرى التي تحررت حديثًا كمشهد يقف عائقًا يصطدم به النازحون، فهي تفتقر لأبسط مقومات الحياة البشرية.
فبين شبكات مياه معطلة، وانقطاع تام للتيار الكهربائي، وقطاع صحي يترنح بين التحسن في مراكز المدن والغياب التام في الأرياف، يجد المواطن السوري في المخيمات الشمالية نفسه أمام خيارين: إما البقاء في مخيم يفتقر لخصوصيته كموطن أصلي، أو العودة إلى دار تعاني من صعوبات في الخدمات المقدمة من كهرباء وماء وقطاع صحي متهالك وسط الركام.
في أحد مخيمات الشمال، يتحدث منهل العياش (48 عامًا) عن صورة الواقع في منطقته الأصلية في ريف حماة، والتي يصفها بـ”المنكوبة خدميًا”، وقال ل، “الخدمات سيئة بشكل لا يمكن وصفه، لا يوجد ماء يصل للمنازل، والكهرباء غائبة تمامًا، وبالنسبة لي، العودة إلى بيت بلا ماء أو كهرباء تعني حكمًا بالانتحار المعيشي على أطفالي”، خاصة في ظل غياب أي جهود لترميم المرافق العامة التي دمرتها الحرب وبنيتها التحتية.
بينما قال محمد حسن العبد الله، المنحدر من ريف حمص، “لم نستطع العودة، ولم نشعر بأننا تحررنا، فقط تخلصنا من نظام مجرم، لكن لم نشعر بلذة النصر لعدم عودتنا، كل سكان قريتي والقرى المجاورة لم يعد أي شخص أو عائلة لتلك القرى إلا القليل من العائلات، فالخدمات لا تشجع على العودة، ولا يوجد كهرباء ولا مياه ولا مدارس للأطفال ولا خدمات طبية أو مركز طبي”.

تزداد معاناة مخيم يازي باغ بالقرب من اعزاز بريف حلب الشمالي مع تساقط الثلوج – 31 كانون الأول 2025 (سانا)
خطط حكومية ومدنية..
مع امتداد معاناة سكان المخيمات من عام إلى آخر، لم يعد البرد وحده هو المشكلة، بل أصبح كاشفًا لواقع أعمق يتجاوز الطقس.
المخيمات التي أُنشئت في الأصل كحل مؤقت للنازحين تحولت مع مرور الوقت إلى تجمعات سكنية شبه دائمة، يعيش فيها آلاف الأطفال والعائلات دون بنية تحتية حقيقية، ودون ضمانات واضحة للسلامة أو الحد الأدنى من الاستقرار.
وفي مرحلة ما بعد “التحرير”، تبرز المخيمات كأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، كونها تمس بشكل مباشر مسؤوليات الدولة تجاه مواطنيها، فبين الحديث عن إعادة تنظيم المدن والبلدات، وتأهيل المناطق المتضررة، يبقى مصير مئات آلاف النازحين معلقًا داخل خيام لم تصمم لتحمل سنوات من البرد والمطر والحر، في ظل غياب خطط معلنة لإغلاق المخيمات أو تأمين بدائل سكنية مناسبة.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حول دور المحافظات ووزارة الشؤون الاجتماعية في إدارة هذا الملف، وحول طبيعة السياسات المتبعة للتعامل مع المخيمات، فهل ينظر إليها كمرحلة انتقالية يفترض إنهاؤها، أم كواقع قائم يجري التعامل معه عبر حلول جزئية وموسمية، كما يفتح الباب أمام النقاش حول حدود الاعتماد على المنظمات الإغاثية، في وقت تتراجع الاستجابة الإنسانية، وتزداد الحاجة إلى إجراءات حكومية أكثر وضوحًا وفعالية.
الإزالة تدريجيًا
وحيال الأمر، قال معاون مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في مدينة إدلب، عبد الرحمن جنيد، إن المخيمات لم تكن خيارًا طبيعيًا للسكان، بل فُرضت نتيجة عمليات القصف والتهجير التي نفذها النظام السوري السابق، مؤكدًا أن التعامل معها يتم على أساس أنها مرحلة اضطرارية ومؤقتة وليست حلًا دائمًا.
وأوضح جنيد، في حديث إلى، أن رؤية الوزارة تقوم على العمل لإزالة المخيمات تدريجيًا، من خلال خطط وطنية شاملة تهدف لإعادة النازحين إلى مساكن آمنة وكريمة، بدل استمرار الاعتماد على الخيام التي تحولت مع الوقت إلى واقع طويل الأمد.
وفيما يتعلق بالدعم الحالي المقدم للعائلات المقيمة في المخيمات، أشار جنيد إلى أن البرامج تشمل توفير المواد الأساسية من غذاء ودواء بشكل دوري، إلى جانب تنفيذ حملات خاصة خلال فصل الشتاء تتضمن توزيع البطانيات والمدافئ والملابس الشتوية.
وأضاف أن الوزارة تعمل أيضًا على تقديم دعم نفسي واجتماعي للأطفال والنساء، للتخفيف من آثار النزوح، إضافة إلى تعزيز التنسيق مع المنظمات الإنسانية لضمان استمرار الخدمات الصحية والتعليمية داخل المخيمات.
وحول الخطط طويلة الأمد، لفت جنيد إلى أن وزارة الشؤون الاجتماعية تتبنى خطة وطنية تحت شعار “وطن بلا خيمة”، تهدف إلى إلغاء المخيمات بشكل تدريجي، عبر دعم مشاريع إعادة الإعمار في المدن والبلدات المتضررة، وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية، من مياه وكهرباء وصرف صحي، إلى جانب تشجيع العودة الطوعية للنازحين إلى مناطقهم الأصلية.
الخطة الوطنية تحت شعار (وطن بلا خيمة) تهدف إلى إلغاء المخيمات بشكل تدريجي.
عبد الرحمن جنيد
معاون مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل بإدلب
وفيما يخص آليات التنسيق، أوضح جنيد أن العمل يجري بالتعاون مع المحافظات والمنظمات الإغاثية من خلال تشكيل لجان مشتركة، واعتماد قواعد بيانات موحدة لتحديد المستفيدين بدقة، إضافة إلى عقد اجتماعات دورية لمراجعة سير البرامج وتقييم الفجوات، مع إشراك المجتمع المحلي في تحديد الأولويات.
وأشار جنيد إلى أن أبرز التحديات التي تواجه هذا الملف تتمثل في محدودية التمويل مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة، وضعف البنية التحتية داخل المخيمات، إلى جانب الاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية، ما يفرض تحديات إضافية على استدامة البرامج والخطط المطروحة.

إحدى الغرف في مخيم قرية الأشرفية في ريف حماة – 5 كانون الثاني 2026 (/إياد عبد الجواد)
“إجراءات محدودة لكن ضرورية”
“واقع المخيمات المنتشرة في ريف المحافظة يعكس أزمة إنسانية ممتدة، حيث أدت قلة إعادة الإعمار وتراجع الدعم الإغاثي إلى تفاقم هشاشة الظروف المعيشية”، وفق جنيد.
وأشار إلى أن آلاف العائلات لا تزال تعتمد على الخيام كحل مؤقت، فيما تزداد الحاجة إلى حلول أكثر استدامة لمواجهة التحديات اليومية.
وحول حماية السكان من مخاطر البرد والفيضانات خلال الشتاء، قال جنيد إن المديرية، بالتنسيق مع إدارة المناطق والمنظمات الإنسانية، نفذت مجموعة من الإجراءات الوقائية، تشمل تعزيز السواتر الترابية حول المخيمات، وتحسين شبكات تصريف المياه في بعض المواقع، بالإضافة إلى توزيع مواد التدفئة والعوازل البلاستيكية، ورغم محدودية هذه التدابير، فإنها ضرورية لتقليل المخاطر المرتبطة بالظروف المناخية القاسية.
من بين إجراءات حماية السكان من مخاطر البرد خلال الشتاء:
-
تعزيز السواتر الترابية.
-
تحسين شبكة تصريف المياه.
-
توزيع مواد التدفئة والعوازل البلاستيكية.
وعن إعادة توطين العائلات، أوضح جنيد أن هناك مشاريع مطروحة بالتعاون مع منظمات إنسانية لإعادة الإعمار في القرى والبلدات، لكن التمويل يغطي نسبة ضئيلة من الاحتياجات، ما يجعل الاعتماد على الخيام هو الواقع السائد حاليًا، مع السعي لتوسيع نطاق هذه المشاريع عند توفر الدعم.
وأشار جنيد إلى أن المسؤولية موزعة بين المديرية والمنظمات الإنسانية، إذ تتحمل المديرية عبء التنسيق والإشراف على المخيمات، بينما يتركز الدور الأكبر في توفير الخدمات والإغاثة على المنظمات.
وأكد أن هذا التداخل يفرض تحديات إضافية في وضوح المسؤوليات وضمان استدامة الدعم.
وعن المخيمات التي تحولت إلى تجمعات سكنية دائمة، أشار جنيد إلى أن التعامل معها يقتصر على حلول جزئية، مثل مد شبكات بدائية للصرف الصحي والمياه، والاعتماد على صهاريج المياه والمولدات الكهربائية، مع الإشارة إلى أن هذه الإجراءات لا ترقى إلى مستوى التخطيط العمراني المطلوب، ما يجعل الحاجة إلى مشاريع بنية تحتية شاملة أكثر إلحاحًا.
وكان محافظ حلب، عزام غريب، أشار على هامش فعالية “حلب ست الكل”، إلى أن العام الحالي 2026 لن ينتهي قبل أن تحتفل المحافظة بفك آخر خيمة في المخيمات المنتشرة في شمال سوريا، في إشارة إلى التزام الحكومة بخطة تدريجية لإغلاق المخيمات وإعادة سكانها إلى مساكن آمنة وكريمة.
دور مكمل لا أساسي
مع تصاعد حدة الشتاء، تشهد المخيمات تراجعًا ملحوظًا للدعم الإنساني مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة، فسنوات النزوح الطويلة أرهقت مصادر التمويل، وقلصت هامش الاستجابة، فيما باتت رقعة التدخل أوسع، لتشمل مخيمات ما زالت قائمة، إلى جانب مناطق سكنية متضررة وسكان يواجهون ظروفًا معيشية صعبة.
وفي ظل هذا الواقع، تجد المنظمات نفسها أمام تحدٍ مضاعف، يتمثل في محاولة سد الثغرات عبر حملات موسمية ومبادرات محدودة، لا ترقى غالبًا إلى تلبية الاحتياج الكامل، لكنها تشكل شريان دعم أساسي لآلاف العائلات.
وبينما تتركز الجهود على الحد من آثار البرد وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، يبقى هذا التدخل محكومًا بإمكانات محدودة، ما يسلّط الضوء على حجم العبء الذي تتحمله الجمعيات الإنسانية في مواجهة أزمة تتجاوز قدرتها على الاستمرار طويلًا.
ويصف مدير البرامج في فريق “ملهم التطوعي”، براء بابوللي، فصل الشتاء الحالي بأنه من الأقسى على المخيمات، في ظل الحديث المتكرر عن عواصف ثلجية وموجات صقيع، تتزامن مع تراجع واضح في حجم الدعم الإنساني الموجّه للنازحين، بعد سنوات طويلة من المعاناة المستمرة.
وأشار، في حديث إلى، إلى أن التفاعل مع سكان المخيمات بات محدودًا، سواء على مستوى التبرعات الفردية أو عبر التمويل الدولي والمنظمات الإنسانية، لافتًا إلى أن هذا التراجع يأتي في وقت توسعت فيه رقعة الاحتياج بعد التحرير، لتشمل مناطق جديدة، من مخيمات ما زالت قائمة، إلى منازل شبه مدمرة، وصولًا إلى سكان مدن يواجهون ظروفًا معيشية صعبة.
وأوضح أن المنظمات الإغاثية تحاول سد بعض الثغرات عبر حملات ومبادرات متكررة، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة التأثير، ولا تتجاوز إطار التخفيف المؤقت من الحاجة، معتبرًا أن الحل الجذري يكمن في دور الحكومة، من خلال توفير بيئة عمل مناسبة، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل تمكن العائلات من الاعتماد على نفسها، سواء في ترميم منازلها أو تأمين احتياجاتها الأساسية.
وأضاف بابوللي أن المخيمات تحتاج إلى مقاربة مختلفة، تتجاوز الحملات الموسمية، عبر العمل على مشاريع ترميم وبناء حقيقية، تساهم في إعادة النازحين إلى مساكنهم الأصلية، ووضع حد لحالة النزوح الممتدة التي تحولت، مع مرور الوقت، إلى واقع دائم.
ويعمل الفريق أيضًا على مشاريع لدعم النازحين للعودة إلى منازلهم، من خلال حملة “حتى آخر خيمة” التي تهدف إلى إنهاء معاناة المخيمات وإعادة الناس إلى بيوتهم حتى لا تبقى خيمة واحدة.
إلى جانب ذلك، يدير الفريق منذ ثلاث سنوات حملة “خيرك دفا”، التي توفر البطانيات والحطب والفحم والمازوت لتخفيف معاناة سكان المخيمات خلال الشتاء، حتى لو كانت الوسائل بسيطة.
المصدر: عنب بلدي
