تشكل الحرب الروسية في أوكرانيا تحوّلاً عميقاً في الحروب الحديثة، حيث يتطلب تدمير المُسيرات الرخيصة أسلحةً باهظة، ما أثار نقاشاً بين كبار الضباط الروس والمحللين بشأن كيفية إدارة الحرب، ومواكبة العقيدة العسكرية الروسية للحرب في عصر المسيرات، وفق صحيفة “نيويورك تايمز”.

وذكرت الصحيفة الأميركية في تقرير، السبت، أن مقطع فيديو حديث لمعركة في أوكرانيا أظهر “دبابة فرانكشتاين” (Frankenstein) روسية، محاطة بدرع واقٍ من صفائح معدنية ملحومة بشكل بدائي. ونجت الدبابة من نحو 25 ضربة بمُسيرات قبل أن تشعلها ضربة أخيرة، ما أجبر طاقمها على الإخلاء، وسط وابل من نيران المدفعية.

وقالت الصحيفة، إن هذا الفيديو يُظهر تحوّلاً عميقاً في الحروب الحديثة، حيث يتطلب تحييد المُسيرات الرخيصة نسبياً أسلحةً باهظة الكلفة، فضلاً عن الجنود، مشيرة إلى أنها تحققت من موقع التقاط الفيديو في جنوب شرقي أوكرانيا.

ونشرت المقطع مؤسسة “ديب ستايت” (DeepState) الأوكرانية، التي تراقب تطورات ساحة المعركة، في أواخر أكتوبر 2025.

قوة المُسيرات

وتُبرز الاشتباكات من هذا النوع قوة المُسيرات، كما في حالة “دبابة فرانكشتاين”، ما أثار نقاشاً محتدماً بين كبار الضباط الروس ومدوني الشأن العسكري ومحللين آخرين حول كيفية إدارة الحرب.

وتجد روسيا نفسها منخرطة في “حرب استنزاف” داخل أوكرانيا، وذلك وسط نقاش يتناول مجموعة كبيرة من القضايا العسكرية، بما في ذلك المعدات والتدريب، وقبل كل شيء التكتيكات. ويتساءل كثيرون عما إذا كانت موسكو قد تكيفت بفاعلية مع التحول الذي أحدثته المُسيرات في ساحة القتال.

وطوال قرن، اعتمدت روسيا على زحف كثيف من الجنود والدبابات والمدفعية لاختراق خطوط العدو. وفي هذه الحرب، وبسبب المُسيرات، اضطر الجيش الروسي إلى استخدام فرق صغيرة من 3 إلى 5 جنود لمحاولة السيطرة على الأرض. غير أن هذا التكتيك لم يُفضِ إلى مكاسب تُذكر، إذ لا يتقدم الجيش سوى ببطء شديد وسط خسائر فادحة.

وقال ألكسندر جولتس، وهو محلل عسكري روسي مخضرم يعمل حالياً في “المعهد السويدي للشؤون الدولية” في ستوكهولم: “ما يجري في الحرب الروسية – الأوكرانية جديد تماماً على جميع الخبراء العسكريين الذين يحاولون التكيّف. هناك قدر كبير من الابتكار”.

كيفية إدارة الحرب

ويظهر الجدل بشأن كيفية إدارة الحرب في الدوريات العسكرية والمنتديات الإلكترونية، وغالباً ما يُصاغ بلغة حذرة أو عبر أمثلة تاريخية لتجنب مخالفة القوانين الروسية التي تحظر انتقاد الحرب، وفق “نيويورك تايمز”.

وقال جولتس إن المحللين العسكريين، على غرار مدوني القتال، يُمنحون هامشاً من الحرية إذا تجنبوا الطعن في أساس الصراع، موضحاً أنهم “لا يستطيعون لوم الكرملين مباشرة” على أي مشكلات، لذا يلقون باللوم على “العلوم العسكرية”.

ويقترح بعضهم أفكاراً “غير تقليدية”. فعلى سبيل المثال، كتب مؤخراً المفكران العسكريان يوري بالويفسكي، الرئيس الأسبق لهيئة الأركان العامة، ورسلان بوخوف، المحلل المعروف، “مقالاً تأبينياً” للدبابة، في مجلة “روسيا في الشؤون العالمية” (Russia in Global Affairs).

ومع هيمنة المُسيرات على القتال، تساءل بالويفسكي وبوخوف عن جدوى “مركبة ضعيفة ذات قدرات تسليحية محدودة، تقترب كلفتها من كلفة طائرة مقاتلة”.

وقال جولتس إن روسيا بدأت الحرب بنحو 10 آلاف دبابة، لكن العدد تراجع إلى ما يزيد قليلاً على 3 آلاف، فيما لا تستطيع إنتاج سوى نحو 200 دبابة سنوياً.

تعديل المعدات القتالية

وأضاف خبراء أن انتقادات صادرة مباشرة من الجنود أسفرت أيضاً عن إدخال تعديلات على المعدات لتقليل تعرض قوات الخطوط الأمامية للخطر. ووفقاً لصحف تصدرها وزارة الدفاع، جرى تحديث أكثر من 190 منظومة تسليح. فعلى سبيل المثال، كانت شاحنات النقل التي يقودها الجنود أهدافاً سهلة لعدم وجود دروع على مقصوراتها، لكنها باتت الآن مدرعة.

وأشار كريستيان يوجارت، الخبير في الشأن العسكري الروسي بجامعة الدفاع السويدية، إلى أن بعض المحللين الروس يجدون استخدام المقارنات التاريخية أكثر أماناً.

واستشهد بمقال حديث عزا الأداء الضعيف للقوات السوفييتية بعد غزو أفغانستان عام 1979 إلى نقص التدريب الملائم لطبيعة ساحة القتال. وقال إن قارئي الشؤون العسكرية سيدركون المغزى في الحرب الحالية، أي أن الجنود لا يتلقون تدريباً يتناسب مع ظروف القتال في أوكرانيا.

وقبل أكثر من عقد، بدأت روسيا تطوير مجموعات تكتيكية أصغر حجماً ومُدربة جيداً، تضم بين 600 و800 جندي، لتعمل كقوات رد سريع، لكن الحرب عالية الكثافة التي رافقت غزو أوكرانيا عام 2022 قضت عليها إلى حد كبير.

ودفع ذلك الجيش إلى العودة إلى تشكيلات أكبر. ثم جاءت المُسيرات، ومعها الفرق الصغيرة المؤلفة من 3 إلى 5 جنود في محاولة لتحييدها.

ساحة شفافة

ووفقاً للصحيفة، أصبح حشد القوات قرب خط الجبهة بمثابة “فخ مميت”. وتحول شريط بعرض نحو 20 ميلاً (32 كلم) بين الجيشين المتقابلين إلى ما يصفه محللون عسكريون بـ”ساحة معركة شفافة”، حيث تستطيع المُسيرات رصد وتتبع ومهاجمة أي شيء يتحرك تقريباً، ما يشل محاولات المناورة بالقوات المشتركة اللازمة لشن هجوم واسع النطاق.

وكان أبرز تغيير حديث في التكتيكات الروسية هو نشر مجموعات صغيرة، تتألف من جنديين إلى خمسة جنود، على دراجات نارية أو مركبات مخصصة للطرق الوعرة، في محاولة للتسلل عميقاً خلف خطوط العدو وقتل مشغلي المُسيرات.

وقال جولتس: “التكتيكات الحالية لن تؤدي إلا إلى طريق مسدود. حسناً، قد تخترق الدفاعات الأوكرانية، ثم ماذا بعد؟”.

ويرى خبراء أن فريقاً من خمسة رجال على دراجات نارية لا يستطيع السيطرة على الأرض. وعندما تحاول روسيا تجميع قوة ضاربة كبيرة للحاق بهم، تسارع أوكرانيا إلى إرسال تعزيزات، وتتكرر الدورة.

وقال جولتس وآخرون إن الجيش الروسي يسعى إلى إيجاد وسيلة فعالة لمواجهة المُسيرات من أجل استئناف حشد تركيزات كبيرة بما يكفي من القوات والعتاد لانتزاع مزيد من الأراضي والاحتفاظ بها.

العقيدة العسكرية الروسية

وقالت دارا ماسيكوت، الخبيرة في الشأن العسكري الروسي لدى “مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي” في واشنطن، إن المتخصصين العسكريين الروس الذين يكتبون عن الحرب خلصوا إلى أن طريقة تنظيم القوات لا تواكب أسلوب خوض الحرب، لكن ما سيأتي لاحقاً لا يزال غير واضح.

ويتساءل بعض الخبراء عن مدى رغبة المؤسسة الدفاعية الروسية فعلاً في إحداث تغيير جذري، مرجحين أن تكون الحلول القتالية قصيرة الأمد أكثر احتمالاً من إصلاح شامل.

وخلصت دراسة في أغسطس 2025، نشرها “مركز التحليلات البحرية”، وهو منظمة أبحاث أمن قومي في أرلينجتون بولاية فرجينيا، إلى أن روسيا لم تُجرِ أي تحول جوهري في عقيدتها العسكرية.

وقالت الدراسة إن المفكرين العسكريين الروس غالباً ما يتبنون نهج “التكنولوجيا ستحل المشكلة”. وبعبارة أخرى، يتوقعون أن تنجح تقنية ما في نهاية المطاف في تحييد المُسيرات، بما يتيح للجيش مجدداً الهيمنة على ساحة المعركة عبر مناورة تجريها قوات كبيرة. وأضافت: “لا يوجد الكثير من التفكير في تصورات عملياتية بديلة”.

وأنشأت روسيا وحدة متخصصة للتعامل مع المُسيرات في عام 2024، لكنها وسعت جهودها في نوفمبر، بموجب أمر خاص من الرئيس فلاديمير بوتين، عبر إنشاء فرع عسكري مستقل باسم “قوات الأنظمة غير المأهولة”. وتنفذ المُسيرات لدى الجانبين اليوم مهام متعددة في ساحة القتال، تشمل الاستطلاع والحرب الإلكترونية والهجمات.

وبحسب إحصاءات روسية أوردتها مجلة “روسيا في الشؤون العالمية”، أصبحت المُسيرات السلاح الرئيسي ضد الجنود والمعدات، إذ تُعزى إليها 70% من خسائر القتال الروسية حتى مطلع عام 2025.

نقص التدريب

ويُعد التدريب قضية أخرى طُرحت في هذا السياق. فقد أُتيح للعديد من المدنيين الذين جرى تعبئتهم عام 2022 إطلاق بضع طلقات فقط قبل الزج بهم في ساحة المعركة.

أما الآن، فيتلقى كثيرون على الأقل تدريباً على تمييز أصوات الأنواع المختلفة من المُسيرات، بحسب الخبراء، لكن الانضباط والاحترافية لا يزالان ضعيفين للغاية.

وقال جاك ووتلينج، الباحث الزميل البارز في شؤون الحرب البرية لدى “المعهد الملكي للخدمات المتحدة” في لندن، إن القوات الروسية تواجه صعوبة في تنفيذ مناورات مشتركة معقدة بين أنواع مختلفة من القوات، لأن الجنود يفتقرون إلى التدريب اللازم لفهم أوامرهم.

وأوضح أن الجندي الجديد في الغرب يتلقى عادة نحو 20 أسبوعاً من التدريب، في حين لا يحصل الجندي الروسي الجديد إلا على نحو 3 أسابيع.

إرشادات البقاء

وفي غياب التدريب، أعد بعض الجنود ومدوني الشأن العسكري “أدلة بقاء” مطولة لإرشاد القوات في كل ما يتعلق بالملابس والأسلحة وصولاً إلى كيفية مواجهة هجوم بمُسيرة. ومن بين التقنيات المقترحة الجري بشكل متعرج باتجاه الشمس أملاً في تعمية النظام البصري للمُسيرة.

وإذا استمر الجمود على خط الجبهة، يعتقد خبراء عسكريون أن الجيش الروسي سيُجبر على إعادة النظر في تكتيكاته وتدريبه بشكل عام.

وقال ديميتري كوزنيتس، المحلل العسكري في موقع “ميدوزا” الإخباري المستقل الذي يصدر من خارج روسيا، إن الدبابات قد تستعيد دوراً محورياً بعد تحسين تكتيكات مواجهة المُسيرات، لكنه أضاف: “لقد ولى الزمن الذي كانت فيه روسيا تُشكل قبضة مدرعة على الجبهة”.

شاركها.