كثّفت الصين تمويلها الخارجي في إطار مبادرة “الحزام والطريق” خلال عام 2025، في مسعى لتوسيع نفوذها الاقتصادي عالمياً وتأمين إمدادات الطاقة والمعادن، مستفيدة من تراجع الحضور الأميركي في عدد من مناطق العالم واضطراب سلاسل الإمداد الدولية، حسبما ذكرت صحيفة “فاينانشيال تايمز”.

وسجل برنامج تمويل البنية التحتية الخارجية الرائد للصين “مبادرة الحزام والطريق” زيادة بنحو ثلاثة أرباع خلال عام 2025، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 213.5 مليار دولار.

ووفق بحث أجرته جامعة “جريفيث” الأسترالية و”مركز التمويل والتنمية الخضراء” في شنجهاي، تركزت الزيادة الكبيرة في الاستثمارات والمشروعات الجديدة قيد الإنشاء بشكل أساسي على مشروعات الغاز العملاقة والطاقة النظيفة.

ووقّعت بكين 350 صفقة خلال العام الماضي، مقارنة بـ293 صفقة بلغت قيمتها 122.6 مليار دولار في عام 2024.

وأشارت “فاينانشيال تايمز” إلى أن هذا الازدهار في الاستثمارات يأتي في وقت تؤدي فيه التوترات بين الولايات المتحدة والصين بشأن التجارة والتكنولوجيا إلى تعطيل سلاسل التوريد، بينما تسهم التدخلات العسكرية للرئيس الأميركي دونالد ترمب في اضطراب أسواق الطاقة العالمية.

التقلبات التجارية

وقال خبير شؤون الطاقة والتمويل الصيني في جامعة جريفيث ومعد الدراسة، كريستوف نيدوبيل وانج، إن إنفاق بكين على مبادرة “الحزام والطريق” سيشهد زيادة خلال العام الجاري، مدفوعاً باستثمارات في قطاعات الطاقة والتعدين والتكنولوجيا الجديدة.

ورأى أن “التقلبات في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي قد تحفّز مزيداً من الاستثمارات لتعزيز مرونة سلاسل التوريد، وإيجاد أسواق بديلة لتصدير منتجات الشركات الصينية”.

وذكرت “فاينانشيال تايمز” أن مبادرة “الحزام والطريق”، التي أُطلقت بعد أشهر من وصول الرئيس الصيني شي جين بينج إلى الحكم عام 2012، تُعد البر نامج الأبرز للتنمية الخارجية للصين، وتهدف إلى تعزيز النفوذ الاقتصادي والتجاري لبكين في دول العالم النامي، وأسهمت في جعل الصين أكبر دولة مُقرضة مباشرة للدول الأخرى في العالم، مع انضمام 150 دولة كشركاء في المبادرة.

ووفقاً للدراسة، رفعت أرقام، العام الماضي، القيمة التراكمية لإجمالي عقود واستثمارات مبادرة “الحزام والطريق” منذ إطلاقها إلى 1.4 تريليون دولار. 

وأشارت “فاينانشيال تايمز” إلى أن نمو عام 2025 كان مدفوعاً بمشروعات عملاقة بمليارات الدولارات، من بينها مشاريع لتطوير الغاز في جمهورية الكونغو ونيجيريا إضافة إلى مصنع للبتروكيماويات في شمال كاليمانتان بإندونيسيا.

وقال وانج: “هذه المشروعات العملاقة أمر لم نشهده من قبل”، مشيراً إلى أن “الدول النامية باتت تُظهر ثقة أكبر في قدرة الشركات الصينية على تنفيذ صفقات بحجم أوسع”.

وأضاف: “قبل 12 عاماً، كانت هذه الشركات أصغر بكثير، أما اليوم، ومع ازدياد حجمها، فقد أصبحت قادرة على تنفيذ مشروعات أكبر، بل تحتاج إلى مشروعات ضخمة لتحقيق النمو”.

ورأى أن “الاستعداد لمنح الثقة للصين من جانب مخططي البنية التحتية وصنّاع السياسات، هو استعداد حقيقي وملموس”.

أعلى مستوى

وبلغت قيمة مشروعات الطاقة المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق” خلال العام الماضي 93.9 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ انطلاق المبادرة، وأكثر من ضعف مستواها في عام 2024.

وشملت الاستثمارات 18 مليار دولار في مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية وتحويل النفايات إلى طاقة، ما يبرز ريادة الصين في تقنيات الطاقة النظيفة.

كما سجّل قطاع المعادن والتعدين رقماً قياسياً بلغ 32.6 مليار دولار، حيث استحوذت استثمارات معالجة المعادن خارج الصين على الجزء الأكبر منه، في مؤشر على كيفية توظيف بكين مبادرة “الحزام والطريق” لتأمين وصول طويل الأمد إلى الموارد.

وتضمن ذلك، بحسب الصحيفة، طفرة في الاستثمارات بقطاع النحاس خلال النصف الثاني من العام، في ظل قلة المعروض من هذا المعدن نتيجة لازدهار مراكز البيانات التي تلبي الطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقال كريج سينجلتون، المدير الأول لبرنامج الصين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مركز أبحاث مقره واشنطن، إن “أحد الأنماط الناشئة يتمثل في تعزيز الصين لعلاقاتها مع الدول التي تمتلك موارد يمكن أن تساعدها على استبعاد الولايات المتحدة من سلاسل الإمداد الخاصة بها”.

وأردف: “انخراط الصين الخارجي يتركز بشكل متزايد على قطاعات استراتيجية تدعم الاكتفاء الذاتي، ومرونة سلاسل التوريد، والتكامل التكنولوجي”، لافتاً إلى أن “الدرس الذي استخلصته بكين من الإجراءات الأميركية الأخيرة في فنزويلا والتهديدات الموجهة إلى إيران هو تقليل التعرض لأدوات النفوذ الخارجية قبل وقوع أي أزمة”.

أزمة ديون

وأشارت “فاينانشيال تايمز” إلى أن الحجم المتنامي لمبادرة “الحزام والطريق” أثار مخاوف بشأن قدرة الدول المشاركة على سداد الديون المتزايدة المستحقة لبكين. 

وأوضح تقرير صدر عام 2024 عن خدمة أبحاث الكونجرس الأميركي، أن من بين القضايا المثارة: أعباء الديون غير المستدامة، وإمكانية استخدام الديون للحصول على تنازلات، وغموض شروط القروض والائتمان، وغياب الوصول المتبادل إلى الأسواق لشركاء المبادرة، إضافة إلى الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية والبنى التحتية التي قد تنطوي على مخاطر التداخل بين الاستخدامين المدني والعسكري. 

وذكر التقرير البريطاني أن محللين ومسؤولين غربيين باتوا يجدون صعوبة متزايدة في تتبع مبادرة “الحزام والطريق” وتحليلها، واصفاً إياها بأنها مبادرة شاملة أو “مظلة” تضم عدة مشروعات يمكن ربطها بالمبادرة بشكل مباشر أو “بشكل فضفاض”.

شاركها.