وسعت وزارة الاقتصاد والصناعة في سوريا، صلاحيات الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، في ملف تنظيم سوق الذهب، من خلال قرارين أصدرتهما في 12 من كانون الثاني الحالي.
وفوضت الوزارة عبر قرارها رقم “15” هيئة المعادن الثمينة، بسحب تراخيص المحلات التي تشتري الذهب المسروق، والورش وأختامها التي لم تلتزم بالمعايير المعتمدة، والباعة الجوالين الذين يروجون لبضاعة غير مطابقة للمواصفات، وذلك وفق الأطر القانونية والإدارية المعمول بها.
فيما أحدثت في قرارها رقم “16”، ضابطة خاصة بالصاغة، تتبع للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، مهمتها ضبط سوق الذهب والمعادن الثمينة الأخرى المتداولة، من خلال القيام بجولات على الأسواق المراقبة سير العمل فيها، وأخذ عينات من السوق لضمان مطابقة العيارات للمواصفات القياسية السورية، والعمل على متابعة المخالفات وضبطها، ومراقبة فواتير البيع والشراء ومدى التقيد بالتسعيرة الصادرة، بالإضافة لمراقبة تنفيذ القرارات والتعليمات الإدارية والأمنية الصادرة عن الجهات المختصة.
ووفقًا للقرار، تتكون هذه الضابطة من عناصر فينة متخصصة ذات خبرة في مجال ضبط المخالفات وكيفية التعامل معها، وتعمل على توجيه الإنذارات وكتابة ضبوط المخالفات، والتعامل الإجرائي اللازم من إتلاف القطع المخالفة وما شابه، وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية بما يضمن تنفيذ المهام المناطة بها بالشكل الأمثل.
تفوض الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة بسحب تراخيص المحلات التي تشتري الذهب المسروق، والورش وأختامها التي لم تلتزم بالمعايير المعتمدة، والباعة الجوالين الذين يروجون لبضاعة غير مطابقة للمواصفات، وذلك وفق الأطر القانونية والإدارية المعمول بها.
ثقة بدور الهيئة وكوادرها الفنية
المدير العام للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، مصعب الأسود، أكد ل، أن هذه القرارات تعكس ثقة الوزارة بالدور الفني والمهني الذي تؤديه الهيئة، مشيرًا إلى امتلاكها كوادر متخصصة قادرة على كشف المخالفات بسرعة، وتحديد حجمها وطبيعتها، والتمييز بين المخالفات الناتجة عن حسن نية وتلك التي تتم عن سوء نية.
ويتيح هذا التفويض، اتخاذ قرارات دقيقة وعادلة، قائمة على الخبرة الفنية لا على الاجتهاد أو التقدير العشوائي، موضحًا أن الهدف الأساسي من توسيع الصلاحيات هو ضبط السوق وملاحقة المتلاعبين الذين يضرون بالاقتصاد الوطني، سواء عبر تهريب المشغولات الذهبية دون دفع الرسوم الجمركية، أو من خلال إنتاج وترويج مشغولات مخالفة للمواصفات المعتمدة.
وشدد الأسود على أن القرارات جاءت لمعالجة خلل كان قائمًا في السوق، وأدى إلى ضياع حقوق المستهلك والصائغ والدولة، وأن حماية المستهلك تمثل هدفًا أساسيًا للهيئة، إلى جانب حماية حقوق الصاغة وحماية المال العام.
فيما رأى أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أن هذه الإجراءات ليست جديدة بالكامل، بل هي قرارات قديمة يُعاد التأكيد عليها وتفعيلها بشكل دوري، لكن جرى التشديد عليها في المرحلة الحالية نتيجة اختلاف الظروف عن المراحل السابقة، وتكرار الصرخات والشكاوى من المواطنين، الأمر الذي دفع الجهات المعنية إلى متابعتها بشكل أكثر جدية.
وأشار، أنه ومع إحداث الهيئة العامة للمعادن الثمينة خلال الفترة الماضية، بدأت محاولات أكثر جدية لتنظيم هذا القطاع وضبطه، خاصة بعد رصد حالات لذهب يحمل دمغات مقلدة أو مزيفة، ما استدعى تشديد الرقابة للتأكد من أن عمليات البيع تتم ضمن أطر نظامية ومن خلال محال مرخصة.
“الاقتصاد” تحدد مهام الهيئة العامة للمعادن الثمينة
حسن وسوء النية في شراء الذهب
وفي ما يتعلق بملف الذهب المسروق، شرح الأسود، طبيعة الحالات التي قد يواجهها الصائغ عند الشراء:
- الحالة الأولى تتم عن حسن نية، عندما يشتري الصائغ الذهب بسعره الحقيقي من شخص معروف، أو في حال ضياع الفاتورة، ويكون الربح حينها محصورًا بالفارق الطبيعي بين البيع والشراء.
- أما الحالة الثانية فتتعلق بسوء النية، عندما يشتري الصائغ ذهبًا دون فواتير وبسعر منخفض بشكل واضح، مع وجود شكوك حول مصدره، ما يجعله شريكًا في جريمة تصريف مسروقات.
وبين الأسود أن الصائغ المحترف يمتلك من الخبرة والفراسة ما يمكنه من التمييز بين الذهب المملوك بشكل شرعي والذهب المسروق، إلا أن بعض ضعاف النفوس يستغلون غياب الضبط ويشترون الذهب المسروق بفوارق سعرية كبيرة، مستفيدين من حاجة السارق إلى البيع السريع دون السؤال عن السعر.
ويؤكد حبزة، أن التركيز الأساسي يجب أن ينصب اليوم على مسألة إبراز الفواتير، ولا سيما فيما يتعلق بالذهب المباع، وخصوصًا “ذهب الكسر” أو الذهب المستعمل، بهدف التأكد من مصدره الحقيقي ومن صحة تداوله، وضمان أن الجهة التي تبيعه تملكه بشكل نظامي وقانوني، لافتًا إلى أن هناك ممارسات سابقة اتسمت بنوع من التحايل، تمثلت بعدم إبراز الفواتير أو عدم تسجيل الكميات المباعة، ما انعكس سلبًا على تحصيل الضرائب.
وتمثل هذه الإجراءات تمثل أيضًا رسالة مباشرة إلى الصاغة، بحسب حبزة، مؤكدًا أن الغالبية من الصاغ معروفون بحسن سمعتهم والتزامهم، داعيًا المواطنين إلى التعامل فقط مع محال الصياغة المعروفة والتي لها تاريخ في السوق، سواء عند شراء الذهب أو بيعه، كما حذر من الشراء من البسطات أو من أشخاص مجهولين لا يملكون سجلًا صناعيًا أو تجاريًا، لما في ذلك من مخاطر قد توقع المواطن في الغبن دون أن يدرك.
وتبقى هذه القضايا، بحسب الأسود من اختصاص القضاء، الذي يستند إلى الأدلة والقرائن والسوابق لتحديد المسؤوليات، في حين تلعب الهيئة دورًا تكميليًا من خلال خبرتها الفنية، عبر توضيح ما إذا كان الشراء قد تم عن حسن نية وبالسعر الحقيقي، أو عن سوء نية بقصد تصريف المسروقات.
مخاطر إضافية داخل السوق
حذر أمين سر جمعية المستهلك، من مخاطر أكبر، تتمثل بدخول أنواع من الذهب المهرّب إلى البلاد، بعيارات مختلفة، قد يجري التلاعب فيها، سواء من حيث نسبة النحاس المضافة أو عبر بيع قطع مطلية بطبقة خارجية من الذهب، بينما يكون جوهرها من النحاس، وهو ما يشكل حالات غش واضحة، منوهًا أن مثل هذه الظواهر لم تكن شائعة سابقًا، لكنها برزت في ظل انتشار الغش والاحتيال في مختلف السلع، وليس في الذهب وحده، ما دفع الجهات المعنية إلى محاولة تنظيم العملية ووضع ضوابط أكثر صرامة لحماية المستهلك.
واعتبر أن مسألة الدمغة تعد عنصرًا أساسيًا لا يمكن تجاهله، داعيًا المواطنين إلى التأكد منها قبل الشراء، ولفت إلى أن دور النقابة في هذا المجال شهد تراجعًا نسبيًا مقارنة بالسابق، في حين أصبحت الهيئة العامة هي الجهة الأساسية التي تتولى المتابعة والإشراف.
وتسود السوق، حالة من الحذر، وفق حبزة، انعكست على تداول الذهب وولدت نوعًا من عدم الثقة، داعيًا المواطنين إلى التحلي بالحكمة واستشارة أهل الخبرة قبل الإقدام على شراء الذهب، وعدم التعامل مع أي جهة غير موثوقة.
ودعا إلى ضرورة عدم تضخيم المخاوف أو إثارة الهلع بين المواطنين، معتبرًا أن ما يجري يشبه حالات تداول العملات المزورة، التي قد تظهر لفترة محدودة قبل أن يتم كشفها ومحاسبة المتورطين بها، مع الإقرار بصعوبة الوصول إلى شبكات التزوير المنظمة.
وأكد حبزة أن الأساس في الحد من هذه الظواهر يكمن في مراقبة الحدود ومنع دخول الذهب المهرب مجهول المصدر، إلى جانب تنظيم مسألة “ذهب الكسر” لدى الصاغة، من خلال إلزامهم بالتصريح عن الكميات الموجودة لديهم، ومراقبة الورشات التي تقوم بصهره وإعادة تصنيعه بشكل مستمر. واعتبر أن هذا الملف حساس ومعقد، ولا يمكن ضبطه بسهولة، خاصة في ظل الفوضى التي كانت سائدة في مراحل سابقة.
ضبط المخالفات والعيارات
وفيما يخص آليات الضبط، أوضح الأسود أن عدد المخالفات المسجلة حتى الآن ليس كبيرًا، لكنه يخضع لمعايير مهنية دقيقة، حيث يتم التفريق في التعامل بين الشراء عن حسن نية والشراء عن سوء نية، لافتًا إلى أن الهيئة تمتلك خبرة متراكمة في ضبط عيارات الذهب، ومعرفة الأصناف التي سبق التلاعب بها، ويتم في بعض الحالات أخذ عينات مباشرة للتحليل.
إضافة إلى ذلك، تراجع الهيئة التسعيرة وتواريخ الشراء للتأكد من عدم وجود غبن بحق المستهلك.
وأكد على أن الصائغ يحقق ربحًا في جميع الحالات من خلال الفارق بين البيع والشراء، إلا أن شراء الذهب المسروق مع العلم أو الشك بمصدره، وبأسعار متدنية بشكل غير مبرر، يُعد مؤشرًا واضحًا على سوء النية، وهو ما تعتمد عليه الهيئة في توصيف المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية.
ويتفق أمين سر جمعية حماية المستهلك مع سابقه، حول أن الحالات المسجلة تبقى نادرة ومحدودة، وأن الإشكالات التي ظهرت سابقًا ارتبطت بفترات فتح الحدود، في حين أن الوضع حاليًا تحت السيطرة، مع وجود اهتمام حكومي واضح بمنع التهريب، وحصر تداول الذهب ضمن المحال النظامية، ودعوة المواطنين إلى مراجعة الخبراء أو تقديم شكاوى فورية عند الشك بأي قطعة، سواء من حيث الدمغة أو العيار، بما يضمن حماية المستهلك وخدمة الصالح العام.
ويعتقد، أعبد الرزاق حبزة، أن الإلتزام بالمتابعة الجدية كفيل بضبط الأمور رغم حساسية هذا القطاع وارتفاع قيمة الذهب، ما يجعله عرضة للتلاعب، إذ تعمل الهيئة العامة حاليًا، على تشديد الرقابة على الصاغة، سواء عبر المتابعة المباشرة أو من خلال إلغاء السجلات في حال وجود مخالفات.
يُذكر أن الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة أُحدثت في سوريا بتاريخ 12 شباط 2025، بهدف تنظيم وتطوير قطاع المعادن الثمينة، وتعزيز دوره في الاقتصاد الوطني ضمن إطار مؤسساتي يتمتع بالاستقلال المالي والإداري.
Related
المصدر: عنب بلدي
