شكل هروب عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية” من سجون كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، في شمال شرقي سوريا، تطورًا أمنيًا بالغ الخطورة، بحسب ما جاء في تقرير “المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات”.
هروب العناصر جاء في سياق تحولات سياسية وعسكرية عميقة، فقد تزامن مع انسحاب “قسد” من مناطق استراتيجية وانتقال السيطرة تدريجيًا إلى الحكومة السورية، ما جعله مؤشرًا على خلل بنيوي في إدارة ملف معتقلي التنظيم، وليس مجرد حادث أمني عابر، بحسب التقرير، الذي نشر اليوم الثلاثاء 20 كانون الثاني.
ويعرف المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات عن نفسه كمركز إستشاري مستقل، يصدر دراساته من ألمانيا و هولندا.
وقعت عملية الهروب في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، بحسب المركز الأوروبي، شارحًا “تميزت بتفكك الترتيبات الأمنية التي كانت قائمة بين التحالف الدولي و”قوات سوريا الديمقراطية”، وبانحسار الدور الأميركي المباشر في إدارة مراكز الاحتجاز.
كما ترافقت مع تصاعد الخلافات بين “قسد” ودمشق بشأن آليات دمج القوات والسيطرة على الموارد والسجون، ما أفرز فراغًا أمنيًا مؤقتًا سرعان ما تحول إلى فرصة مواتية للجماعات المسلحة.
وكانت وزارة الداخلية السورية، قد قالت إن حادثة الهروب التي شهدها سجن “الشدادي” في ريف محافظة الحسكة، أسفرت عن فرار نحو 120 عنصرًا من تنظيم “الدولة الإسلامية”، وألقت القبض على 81 عنصرًا منهم، اليوم الثلاثاء.
كما أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري اليوم، أن “قسد” تركت حراسة مخيم الهول وأطلقت من كان محتجزاً بداخله، ويضم المخيم آلاف السجناء من مقاتلي تنظيم الدولة، وعشرات الآلاف من أسرهم من النساء والأطفال.
التداعيات الأمنية داخل سوريا
يوفر هروب عناصر “متمرسة” قتاليًا فرصة حقيقية لتنظيم “الدولة” لإعادة تنظيم صفوفه وبناء شبكات لوجستية وخلايا نائمة، مستفيدًا من خبرات ميدانية راكمها خلال سنوات الصراع، بحسب تقرير المركز الأوروبي.
كما يمثل الحدث مادة دعائية للتنظيم، تعزز سردية “كسر السجون” التي استخدمها سابقًا لرفع المعنويات واستقطاب عناصر جديدة.
وتؤكد تجارب سابقة، مثل هروب سجناء أبو غريب في العراق عام 2013، وهجوم سجن الحسكة عام 2022، أن مثل هذه الحوادث غالبًا ما تسبق موجات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
وأعادت الحادثة تسليط الضوء على هشاشة منظومة الاحتجاز في شمال شرق سوريا، حيث تحولت السجون من أدوات احتواء إلى نقاط ضعف استراتيجية، ويعود ذلك إلى غياب إدارة موحدة، ونقص الحماية التقنية والاستخباراتية، فضلًا عن استخدام ملف السجون كورقة ضغط وتفاوض سياسي بين الأطراف المحلية المتصارعة.
تداعيات إقليمية تتجاوز الحدود السورية
لا تقتصر انعكاسات هروب سجناء التنظيم على الداخل السوري، وفقًا لتقرير المركز الأوروبي، مفسرًا “بل تمتد إلى الإقليم، مع تزايد احتمالات تسلل العناصر الفارّة إلى العراق عبر البادية السورية.
ويعزز ذلك التنسيق بين فرعي التنظيم في سوريا والعراق، ويضاعف الضغوط على الأجهزة الأمنية العراقية.
كما يسعى التنظيم إلى استثمار الحدث دعائيًا، لتأكيد استمرارية حضوره وقدرته على تحدي خصومه.
من جهة أخرى، من المرجح أن يؤدي هذا التطور إلى تجدد التوتر التركي–الكردي، إذ تستخدم أنقرة مثل هذه الحوادث لتأكيد موقفها القائل بعدم أهلية “قوات سوريا الديمقراطية” لإدارة ملفات أمنية عالية الخطورة، ما قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية أو تحركات عسكرية إضافية في شمال سوريا.
أبعاد مقلقة على الأمن الأوروبي
التقرير يرى أن حادثة الهروب تحمل أبعادًا مقلقة للأمن الأوروبي، خصوصًا أن سجون شمال شرق سوريا تضم أعدادًا من المقاتلين الأجانب، بينهم أوروبيون، ويعني ذلك ارتفاع احتمالات العودة غير الشرعية أو انتقال بعض الفارّين عبر شبكات تهريب باتجاه أوروبا، بما يرافقه من مخاطر تنفيذ هجمات فردية أو إعادة تنشيط خلايا نائمة.
كما تعيد الواقعة إلى الواجهة مأزق السياسات الأوروبية القائمة على إبقاء المقاتلين الأجانب خارج الحدود الأوروبية.
استغلال الفراغ بين “قسد” ودمشق
استفاد تنظيم “الدولة”من الفراغ السياسي والأمني الناتج عن الخلاف بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع.
فضعف التنسيق الأمني وتضارب الأولويات بين الطرفين أوجدا مساحة رخوة أمنيًا، اعتاد التنظيم استغلالها تاريخيًا لإعادة التموضع، دون الحاجة إلى سيطرة مكانية واسعة، شرح التقرير.
كما يمثل ملف السجون إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية في المرحلة الحالية، في ظل غياب اتفاق واضح ومستقر حول الجهة المسؤولة عن إدارتها وحمايتها.
وتتيح هذه الثغرات للتنظيم ليس فقط تنفيذ عمليات هروب، بل أيضًا التواصل مع عناصره داخل السجون وإعادة تنشيط شبكات الدعم الخارجي.
الحاجة إلى مقاربة متعددة المستويات
التقرير خلص إلى أن هذه التطورات تفرض الحاجة إلى تحرك على مستويات عدة.
أوروبيًا: تبرز ضرورة الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى المعالجة الجذرية عبر تسريع إعادة المقاتلين الخاضعين للولاية القضائية ومحاكمتهم، إلى جانب تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية.
على مستوى التحالف الدولي: يبرز ضرورة إعادة تفعيل دوره بما يشمل حماية مراكز الاحتجاز، ودعم القدرات الاستخباراتية المحلية، واستمرار الضغط العسكري على خلايا التنظيم.
سوريًا وإقليميًا: تبرز أهمية تحييد ملف السجون عن الصراع السياسي، وتعزيز التفاهم بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية، إلى جانب توثيق التعاون مع العراق لضبط الحدود ومنع إعادة تنشيط التنظيم.
ويشكّل هذا المسار حجر الزاوية في سد الفراغات الأمنية، ومنع إعادة إنتاج تنظيم داعش بصيغ أكثر مرونة ولا مركزية.
خلاصة واستنتاجات
التقرير، توصل إلى جملة استنتاجات، تمثلت في:
- لا يمكن فصل استقرار شمال وشرق سوريا عن مسار التفاهم بين “قسد” والحكومة السورية، ولا عن عمق التعاون مع الحكومة العراقية. فتعزيز هذه المسارات الثلاثة يشكّل حجر الزاوية في منع إعادة إنتاج تنظيم “الدولة”، وتحويل المرحلة الانتقالية من مصدر تهديد إلى فرصة لإرساء حد أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي في سوريا والمنطقة.
- تشير المعطيات الراهنة إلى أن التنظيم لم يُهزم أيديولوجيًا، وأن استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة في إدارة ملف المعتقلين ينذر بعودة التهديد بصيغة أكثر لامركزية ومرونة.
- يمثل هروب سجناء التنظيم في سوريا جرس إنذار استراتيجي للمجتمع الدولي وأوروبا على وجه الخصوص.
- يشكل تفعيل التحالف الدولي عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن الإقليمي والأوروبي. فالتجربة أثبتت أن أي انتكاسة في مكافحة التنظيم في سوريا والعراق تنعكس مباشرة على أوروبا.
- تفعيل دور التحالف الدولي ضد التنظيم لم يعد خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل ضرورة تفرضها الوقائع الميدانية والتحولات الاستراتيجية في المنطقة.
- يمثل التنسيق السوري–العراقي عنصرًا حاسمًا في ضبط الحدود المشتركة، لا سيما في مناطق البادية التي تشكّل ممرًا تقليديًا لتحركات التنظيم.
استلام إدارة سجون عناصر تنظيم “الدولة”
أعلنت وزارة الداخلية السورية جاهزيتها بشكل كامل لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” في محافظة الحسكة، “وفق المعايير الدولية المعتمدة، وبما يضمن منع أي خرق أمني أو محاولات فرار”.
وأكدت الوزارة في بيان، الاثنين 19 كانون الثاني، تجهيز قوة خاصة مشتركة من إدارة المهام الخاصة وإدارة السجون، مهمتها استلام السجون وتأمين محيطها وإدارتها الداخلية، مع تطبيق أعلى معايير الحراسة والاحتجاز ومنع أي محاولات تسلل أو تهريب.
وأوضحت استعدادها للتنسيق المباشر مع الجانب الأمريكي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها.
وحمّلت الوزارة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المسؤولية الكاملة عن أي حالات هروب أو إطلاق سراح لعناصر التنظيم من السجون الواقعة تحت سيطرتها، ولا سيما ما جرى في سجن الشدادي، معتبرة ذلك “خرقًا أمنيًا خطيرًا يهدد الأمن السوري والإقليمي والدولي”.
وجددت رفضها القاطع لما وصفته محاولات “قسد” استخدام ملف معتقلي تنظيم “الدولة” كورقة ابتزاز سياسي ضد الدولة السورية، أو ربط استعادة سيادة الدولة وبسط القانون بما يسمى “خطر السجون”، مؤكدة أن “هذه المحاولات مكشوفة ولا تخدم سوى إعادة إنتاج الفوضى وتهديد أمن المدنيين”.
واتهمت هيئة العمليات “قسد” بإطلاق سراح عدد من عناصر التنظيم من سجن الشدادي، مشيرة إلى أن الجيش تدخل لتأمين المدينة والسجن، وبدأ عمليات تمشيط بحثًا عن العناصر الذين أطلق سراحهم.
وكانت قالت “قسد” ، أعلنت أن سجن “الشدادي” في الحسكة، الذي يضم سجناء من تنظيم “الدولة الإسلامية”، خرج عن سيطرتها، بعد تعرضه لهجمات متكررة من الحكومة السورية.
واتهمت “قسد”، في بيان لها الاثنين، قاعدة التحالف الدولي في المنطقة، التي تبعد عن السجن نحو كيلومترين اثنين، بعدم التدخل، رغم الدعوات المتكررة.
Related
المصدر: عنب بلدي
