أحمد مسلم سوحلي جعبوب
نادر حد الفرادة، ليس مجرد كائن نباتي، بل شاهد صامت على عبقرية الخَلق ودقة التوازن البيئي.
هل نعي أنَّ بعض عناصر الطبيعة لا تخلق للانتشار، بل لتكون ميزاناً دقيقاً في نظام مليء بالتحديات؟
في زمن تتسارع فيه الاكتشافات وتستهلك فيه الطبيعة بلا وعي، تظل بعض الكائنات عصية على الضجيج، لا تظهر إلا لمن يبحث عنها بصدق.
من جبل سمحان، تبدأ الحكاية؛ حكاية ندرة، وتوثيق، ومسؤولية لا تحتمل التأجيل.
شثعين وهو الاسم المحلي لأندر نباتات الأرض على الإطلاق… حين تختار الطبيعة شهودها بصمت، في أعالي جبل سمحان، حيث تتراجع الضوضاء ويعلو صوت الريح وتعانق السحب الهضاب وتكون الكواكب والنجوم في أقرب منازلها للعين حيث تقترب منها هذه المجرات من قمم سلسلة جبل سمحان، حيث تولد بعض الكائنات لا ترى، بل لتبقى دليلاً على أن الطبيعة ما زالت قادرة على الإدهاش. من هناك، يطل نبات شثعين كواحد من أندر النباتات العصارية اللحمية، نبات يؤكل، لكنه لا ينال بسهولة، وكأن الأرض قررت أن تحميه بندرته قبل أي سياج.
شثعين ليس نباتا عابرا في المشهد البيئي، بل كائن شديد الخصوصية، محدود الانتشار، ذكر في تسجيلات علماء النبات بوصفه رصدا نادرا، ثم ظل لسنوات اسما صامتا في الهوامش، بلا صورة واضحة، ولا حضور موثق في الوعي المحلي أو المعرفي.
هنا، يبدأ دور التوثيق الحقيقي.
فبعد تسجيله علمياً، كنت أول من قام بتوثيق هذا النبات ميدانيا بالوصف والصورة والمتابعة، ليس بدافع السبق، بل بدافع القلق عليه، وعلى ما يمثله من ذاكرة بيئية لا تتكرر. توثيق لا يكشف موقعا، ولا يفضح موطنا، بل يُعيد للنبات حقه في أن يعرف دون أن يستباح.
يظهر (شثعين) بطبيعته المُتكيفة مع القحط، وبنيته البسيطة التي تخفي خلفها تاريخاً عميقاً بل وطويلا من الصبر. أما أزهاره، فهي المفارقة الأجمل، أزهار هادئة، لا تستعرض ألوانها، ولا تتفتح إلا بقدر، كأنها تقول إنَّ الجمال ليس عرضا دائما، بل لحظة تمنح لمن يقدره.
هذا النبات يطرح سؤالا عميقا لا يتعلق به وحده، بل بكل ما هو نادر:
هل ندرك قيمة الكائنات التي لا تتكرر؟
وهل نعي أن بعض عناصر الطبيعة لا تُخلق للانتشار، بل لتكون ميزانا دقيقا في نظام مليء بالتحديات؟
إن شثعين ليس مجرد نبات نادر، بل علامة على قوة التأثير التي تمارسها الطبيعة في صمت، وقدرتها على صياغة كائنات قليلة العدد، عظيمة المعنى. وتوثيقه ليس ترفا معرفيا، بل مسؤولية أخلاقية، لأن ما لا يوثق ينسى، وما ينسى يفقد.
في جبل سمحان، ما زالت الأرض تخفي أسرارها بعناية، وتمنحها فقط لمن يراها بعين الباحث، لا بعين المستهلك. وشثعين واحد من تلك الأسرار التي لا تطلب شهرة، بل فهما، ولا تحتاج ضجيجا، بل احتراما.
الاسم العلمي: Orbea luntii
إن (شثعين) لا يطلب حماية بالقوة، بل فهما بالوعي، ولا يحتاج أسوارا، بل ضميرا معرفيا يدرك أن النادر إذا كشف بلا حكمة فقد إلى الأبد. فتوثيقه ليس إعلان امتلاك، بل فعل أمانة، وحفظ لحق الطبيعة في أن تعرف دون أن تستنزف. وفي جبل سمحان، حيث لا تزال الأرض تختار شهودها بعناية، يبقى (شثعين) دليلا على أن أعظم الاكتشافات لا تقاس بالضجيج الذي تصنعه، بل بالأثر الذي تتركه في الوعي الإنساني. هنا اضافة على قوائم الندرة حول العالم استوطنت حصريا ظفار.
لذا فإن Orbea luntii أحد العصاريات حيث إن موطنه الأصلي ومحلي التواجد الوحيد المعروف، اعتمادًا على مصادر علمية موثوقة مثل Plants of the World Online (Kew)، هو جنوب سلطنة عُمان، وتحديدًا شرق محافظة ظفار ، وقد وثقته في جبل سمحان.

