في الوقت الذي أعلنت فيه الرئاسة السورية “التوصل إلى تفاهم مشترك مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع مهلة 4 أيام لبحث خطة إعادة دمج محافظة الحسكة، ما زالت علامات استفهام كثيرة تحيط بمصير السجون والمخيمات التي تضم عناصر من تنظيم “داعش”، يقدر عددهم بنحو 22 ألفاً.
وكان تأمين تلك السجون والمخيمات يقع ضمن مسؤوليات “قسد”، ومع تقدّم الجيش السوري ومحاصرته سجن الأقطان في مدينة الرقة، وسيطرته على سجنين في كل من الطبقة بريف الرقة والشدادي بريف الحسكة الجنوبي، أعلنت “قسد” فرار سجناء، واتهمت التحالف الدولي بعدم التدخل.
وتصاعدت المخاوف من تكرار هذا السيناريو مع اقتراب الجيش السوري إلى مسافة نحو 10 كيلومترات من أخطر سجنين يضمان عناصر أجانب من التنظيم، وهما سجن الثانوية الصناعية وسجن جويران عند المداخل الجنوبية لمدينة الحسكة.
ترمب: إرهابيون أوروبيون حاولوا الفرار
وأبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب صحيفة “نيويورك بوست”، الثلاثاء، أن “إرهابيين أوروبيين” حاولوا الفرار من سجن في سوريا، الاثنين، لكن تم إلقاء القبض عليهم بالتعاون مع الحكومة السورية.
وقال ترمب: “إرهابيون أوروبيون كانوا محتجزين في السجن، وحدثت عملية فرار.. وبالتعاون مع الحكومة السورية والقيادة الجديدة في سوريا، جرى إلقاء القبض على جميع الهاربين وإعادتهم إلى السجن.. وهؤلاء من أخطر الإرهابيين في العالم، وجميعهم من أوروبا”.
وقالت “قسد” إن السجن خرج عن سيطرتها بعد هجمات متكررة من القوات الحكومية، بينما اتهمت وزارة الداخلية السورية “قسد” بإطلاق سراح عدد من سجناء داعش من السجون.
بدورها أصدرت “قسد” بياناً أكدت فيه أن سجن الشدادي “خرج حالياً عن سيطرة قواتنا” وذكرت أنه “رغم أن سجن الشدادي يقع على بعد نحو كيلومترين فقط من قاعدة التحالف الدولي في المنطقة، إلا أن القاعدة لم تتدخل رغم الدعوات المتكررة”.
كما نبهت قوات “قسد” في بيان آخر من خطورة الهجوم على سجن يضم ألفين من عناصر تنظيم “داعش” هو سجن الأقطان الذي تحاصر فيه القوات الحكومية نحو 1500 من عناصر “قسد” المكلفين بحماية السجن او المنسحبين من مدينة الرقة.
بالأرقام.. واقع معتقلي داعش والمخيمات في مناطق “قسد”
من جانبها أعلنت وزارة الداخلية السورية عن تنفيذ “وحدات من الجيش بالتعاون مع وحدات المهام الخاصة عمليات تفتيش في مدينة الشدادي بعد هروب 120 داعشياً من سجن الشدادي بريف الحسكة”.
وكشفت الوزارة أن العمليات أسفرت عن إلقاء القبض على 81 فارّاً من تنظيم داعش، وأن الجهود مستمرة لملاحقة البقية”، مؤكدة “استمرار التنسيق مع وزارتي الدفاع والاستخبارات لضمان الأمن والاستقرار”.
ووفق بيانات وتصريحات رسمية صادرة عن “قسد”، هناك نحو 12 ألف معتقل في سجون تديرها، بينهم ما يتراوح بين 2500 و3000 معتقل من 56 جنسية عربية وأجنبية، إضافة إلى نحو 3 آلاف عراقي.
كما تضم مخيمات النزوح 6279 شخصاً موزعين على 1871 عائلة في مخيم الهول، ونحو 2500 آخرين في مخيم روج، بينهم 900 من النساء والأطفال من جنسيات مختلفة، و1600 من النساء والأطفال العراقيين.
تأمين مخيم الهول
ورصدت “الشرق”، الثلاثاء، انسحاب أرتال عسكرية ترفع رايات “قسد” ووحدات حماية الشعب الكردية من بلدة الهول، التي تبعد 40 كيلومتراً شرق مدينة الحسكة، باتجاه الأحياء الشرقية من المدينة.
وكشفت مصادر من سكان المنطقة لـ”الشرق” أن عناصر “قسد” انسحبوا بالكامل من مركز البلدة والمخيم بعد إحراق عدد من مقراتهم، وذكرت المصادر أن “قوات أميركية تنتشر في البلدة ومحيط المخيم لتأمين البلدة والمخيم الاستراتيجيين على الحدود مع العراق”.
ولفتت “قسد” في بيان لها إلى اشتباكات عنيفة مع الجيشي السوري في محيط مخيم الهول الذي يضم آلاف العائلات التابعة لتنظيم داعش.
من ناحيتها أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري أن “تنظيم قسد ترك حراسة مخيم الهول”؛ وبذلك أطلق من كان محتجزاً بداخله ليخرج، لافتة الى أن “الجيش السوري سيقوم بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي بالدخول إلى المنطقة وتأمينها”.
وأكدت الهيئة التزامها المطلق بـ”حماية أهلنا الأكراد وصون أمنهم”، مشيرة إلى أن الجيش هو حصن لكل السوريين، وهدفه استعادة الاستقرار وحماية المؤسسات الحكومية.
ويقطن في مخيم الهول نحو 25 ألف شخص من أفراد العائلات السورية والعراقية، وتتواجد فيه قوات أميركية في ما يعرف بـ”قسم المهاجرات”.
الإدارة الذاتية: ملتزمون بأمن السجون
ورغم انسحاب “قسد” من مخيم الهول وخروج سجن الشدادي عن سيطرتها، وتصاعد الهجمات الحكومية على مدينة الحسكة، وإشارة “قسد” والإدارة الذاتية إلى أن أمن السجون والمخيمات قد لا يكون أولوية؛ إلا أنها لا تزال تتبنى مواقف تؤكد التزامها بهذا الملف الحساس، مع التأثر الواضح لعلاقتها بالتحالف الدولي جراء التطورات الميدانية في مناطق شرق الفرات.
في هذا السياق، قال ممثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، عبد الكريم العمر، إن “قسد والإدارة الذاتية ملتزمان بأمن المخيمات والسجون التي تضم عناصر وعوائل تنظيم داعش، ويؤديان مهامهما في حمايتها”، مشيراً إلى “وجود نحو 1500 عنصر من قسد داخل سجن الأقطان في مدينة الرقة بهدف حماية السجن ومنع فرار السجناء”.
ولفت العمر، في تصريحات لـ”الشرق”، إلى أنه “في سجن الشدادي حاولت قسد مواصلة تأدية مهامها في حماية السجن، لكن الهجمات التي تعرضت لها المنطقة منعت ذلك”، مضيفاً أن “قوات التحالف الدولي كانت موجودة على بعد كيلومترين من منطقة الاشتباك دون أي تدخل منها لمنع ذلك”.
وقال العمر إن “قسد والإدارة الذاتية لديهما الانفتاح حتى الآن على التفاوض لإنهاء الهجمات والتصعيد العسكري والعودة لمسار المفاوضات”، وأعرب العمر عن أمله “ألا تسفر هذه الهجمات عن تكرار ما حدث في الساحل والسويداء”.
وأضاف: “هناك التزام من الإدارة الذاتية وقسد بتطبيق اتفاق العاشر من مارس 2024 و18 يناير 2025″، متهماً الحكومة السورية “بعدم تنفيذ الاتفاقات واللجوء للحلول العسكرية والتصعيد الميداني”.
دمشق: أمن المخيمات والسجون أولوية
ومع تسارع الأحداث واقتراب المعارك من سجون ومعتقلات إضافية تحتوي عناصر من “داعش”، قالت وزارة الداخلية في تصريح أرسلت نصه إلى وسائل الإعلام: “في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة وما رافقها من محاولات تضليل إعلامي وتوظيف سياسي لملف معتقلي تنظيم داعش من قبل قوات سوريا الديمقراطية، نؤكد أن أمن المواطنين وحماية السلم الأهلي ومنع عودة الإرهاب تمثل أولوية وطنية قصوى”.
وأضافت الوزارة: “جاهزيتنا الكاملة لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم داعش في محافظة الحسكة، وفق المعايير الدولية المعتمدة، وبما يضمن منع أي خرق أمني أو محاولات فرار”، معلنة استعدادها “للتنسيق المباشر مع الجانب الأميركي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها”.
وكشفت وزارة الداخلية عن إتمام “تجهيز قوة خاصة مشتركة من إدارة المهام الخاصة وإدارة السجون، مهمتها استلام وتأمين محيط السجن وإدارته الداخلية، وضمان تطبيق أعلى معايير الحراسة والاحتجاز، ومنع أي محاولات تسلل أو تهريب”.
وعبرت الوزارة عن رفضها “محاولات قسد استخدام ملف معتقلي داعش كورقة ابتزاز سياسي وأمني ضد الدولة السورية، أو ربط استعادة سيادة الدولة وبسط القانون بما يسمى خطر السجونط، معتبرة أن “هذه المحاولات مكشوفة ولا تخدم سوى إعادة إنتاج الفوضى وتهديد أمن المنطقة تحت أي ذريعة”.
وأكد مصدر حكومي لـ”الشرق” أن “القوات الحكومية نسقت الجهود مع التحالف لضبط الأمن في كل من مخيم الهول وسجن الشدادي وستقوم بتأمينهما بعد انسحاب قسد منهما”، داعياً قسد إلى ” الكف عن استخدام السجون كورقة ضغط وابتزاز للتحالف الدولي الذي يشجع على أن تكون هذه المهمة من مهام القوات الحكومية”.
وأشار المصدر الحكومي إلى “تنسيق الجهود بين وزارة الداخلية والدفاع والاستخبارات لمنع أي عمليات فرار جماعية”، مؤكداً أن “أمن كل السجون أولوية ويتم العمل على ألا تكون هناك أي عمليات فرار وخاصة من سجني الصناعة وغويران اللذين يضمان العناصر الأجانب”.
