21 يناير 2026آخر تحديث :
صدى الإعلام – الكاتب: باسم برهوم – شئنا أم أبينا، فإن قطاع غزة هو اليوم تحت “الوصاية الدولية” المؤقتة، هذه هي النتيجة النهائية لحرب السنتين التي بدأت مع “طوفان” حماس، في السابع من أكتوبر عام 2023.
صحيح ان اللجنة التي ستعمل مباشرة مع الناس في غزة هي لجنة وطنية فلسطينية، وهذا أمر جيد، ولكن صاحب القرار هو مجلس السلام.
القبول الفلسطيني الرسمي بهذا الواقع، جاء في المحصلة للنتيجة التي أفضى اليها “طوفان” حماس، الذي قلب موازين القوى بالكامل لمصلحة إسرائيل، والقبول تقف خلفه عدة أسباب جوهرية اهمها: ضرورة وقف حرب الابادة الجماعية، الذي كان له الأولوية القصوى، وضمان عدم تهجير المواطنين الفلسطينيين من القطاع، وتسهيل إدخال المساعدات الغذائية والدوائية، وتأمين إيواء مؤقت لحوالي مليون من المشردين في الخيام البالية، وضمان إعادة إعمار القطاع، وبالإضافة إلى ذلك، فقد اصرت القيادة الشرعية على رفض الفصل بين القطاع والضفة رفضا باتا، وضمان عدم تقسيم قطاع غزة، بما يعني ضرورة إنسحاب إسرائيل الكامل منه.
الحديث يدور هنا عن مرحلة انتقالية، مرحلة فيها الكثير من التعقيدات، ومن بينها ان لكل طرف من الأطراف المنخرطة مباشرة بهذه المرحلة مصالحه ورؤيته المختلفة لما سيكون عليه قطاع غزة في نهاية هذه المرحلة.
صحيح أن القيادة هي بيد الولايات المتحدة الأميركية، ولكن وعلى سبيل المثال، فإن نظرة إسرائيل لمستقبل القطاع، لا يمكن ان تكون هي ذاتها لمصر أو تركيا وقطر، كما ان الطرف المعني مباشرة، الشعب الفلسطيني، فهو بدون شك يريد إعادة البناء، ويريد الإزدهار والاستقرار، ولكنْ، لهذا الشعب حقوق سياسية لن يتوقف عن المطالبة بها. والمشكلة الأخرى التمويل، لدينا تجارب صعبة في هذا المجال، تبدأ الأمور بنوع من الحماسة، لكن ولأسباب متعددة تتراجع هذه الحماسة وتتأخر عملية إعادة الاعمار.
من الواضح اننا امام مرحلة جديدة مختلفة عن اي من المراحل السابقة الاخرى، فعلى سبيل المثال، بعد صدور وعد بلفور عام 1917 وضع المنتصرون في الحرب العالمية الاولى فلسطين كلها تحت الوصاية البريطانية، وتضمن صك الانتداب، الصادر عن عصبة الأمم في حينه مواد واضحة وحدد ان هدف انتداب بريطانيا لفلسطين هو تنفيذ وعد بلفور، فالوصاية آنذاك كان لها هدف هو إقامة الوطن القومي اليهودي. وبعد حرب العام 1948، بعد النكبة، واختفاء فلسطين تماما عن خريطة الشرق الأوسط، وضع الشعب الفلسطيني عمليا تحت وصاية الدول العربية، وكانت الأنظمة العربية تتصارع فيما بينها حول من سيمسك بقرار الشعب الفلسطيني.
المرحلة الحالية تتعلق بجزء من فلسطين، قطاع غزة يتم وضعه تحت الوصاية الدولية المؤقتة. بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803، والذي تبنى عمليا خطة الرئيس ترامب، وهي الخطة التي تنتهي بإقامة دولة فلسطينية ضمن شروط وخطوات محددة.
تجارب الشعب الفلسطيني مع الوصايات لم تكن تجارب إيجابية، من هنا منبع القلق، ولكن في السياسة لا مجال ان يسيطر القلق، بل ما نحتاج اليه هو العمل على خطة محكمة تستند إلى محددات واضحة، اولى هذه المحددات تمتين الوضع الفلسطيني الداخلي ومن دون شك لدينا عدة مشاكل هنا، وأكثر المشاكل تعقيدا حماس، وسيأتي لاحقا شرح ذلك. المحدد الثاني، هو ان نمتلك علاقة قوية وقدرة على التأثير مع الدول التي اصبحت عضوا في مجلس السلام، والأهم ان نبقي قنوات الاتصال قوية مع الإدارة الأميركية، اما المحدد الثالث وهو ان نمضي في برنامج الاصلاح دون أي تأخير أو تردد، وان نلائم اوضاع السلطة الوطنية مع المستجدات مع التمسك بالحقوق.
عودة لحماس، وهي بالفعل المشكلة الداخلية الأكثر تعقيدا، فهي من جهة تخاطب الولايات المتحدة وإسرائيل بان يمنحاها فرصة اخرى، ومن جهة ثانية تواصل الاصرار على عدم التعاون مع السلطة الشرعية للشعب الفلسطيني، كما انها وفي الوقت الذي تقول انها على استعداد لتسليم الحكم في غزة للجنة الوطنية الفلسطينية، فإن ماكينتها الاعلامية تكثف هجومها على السلطة الوطنية الفلسطينية، بمعنى ان حماس جزء من ماكينة تقودها عمليا إسرائيل لهدم السلطة، وهذه مفارقة على الجميع ملاحظتها. وحماس، التنظيم الإخواني الذي لا يتعلم من تجاربه، وبهذا المعنى ايضا سيبقى البديل الأفضل لإسرائيل، وخاصة اليمين المتطرف الإسرائيلي، ولحماس أجندة الاخوان المالية، فالهدف من حروب حماس في غزة هو ان تجمع جماعة الاخوان أموال التبرعات لصالحها. مشكلة حماس ستتواصل، وربما سنكون بحاجة لمعجزة لحل هذه الاشكالية.
فنجاح المرحلة الثانية مرهون بمدى ارتباطها بالهدف النهائي لخطة الرئيس ترامب، فالشعب الفلسطيني يطمح للاستقرار وتحقيق إزدهار اقتصادي، وان يكون جزءا من عجلة الاقتصاد العالمي، بعيدا عن التطرف والعنف والحروب، وأن تكون له دولة خاصة به متعايشة مع جيرانها وجزء من المجتمع الدولي.
إذا سارت المرحلة الثانية بهذا الاتجاه سنكون على المسار الصحيح، وهو ما يجب مراقبته والتعامل معه.
