مع التطورات المتسارعة في منطقة الجزيرة السورية شمال وشرق البلاد، وجّهت وزارة الخارجية السورية “رسالة” إلى المكون الكردي، تزامناً مع سريان هدنة “هشّة” بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، ومهلة تمتد إلى 4 أيام قبل القرار “الحاسم” الذي ستتخذه قيادة هذه القوات بشأن اتفاق 18 يناير.
مهلة 4 أيام.. هل تلتزم “قسد”؟
منحت الحكومة السورية قيادة “قسد” مهلة تمتد إلى 4 أيام وتنتهي يوم السبت المقبل، لإعطائها فرصة للتشاور من أجل اتخاذ قرار نهائي وحاسم حول اندماج القوات العسكرية بوزارتي الداخلية والدفاع، ودمج وتسليم المؤسسات المدنية إلى الحكومة السورية بمناطق محافظة الحسكة.
وحول ذلك يقول إياد هزاع، الدبلوماسي في وزارة الخارجية السورية، في حديث لوكالة ستيب نيوز: ” استناداً إلى التجربة السابقة، لا تبني الدولة السورية توقعاتها على الوعود، بل على الوقائع، فسجل “قسد” حافل بنقض الاتفاقات والمماطلة في التنفيذ، رغم التزام الدولة الكامل بكل ما وُقّع سابقاً”.
ويؤكد هزاع أن رؤية الدولة بعد انتهاء المهلة واضحة، وهي استعادة السيادة الكاملة على كامل الجغرافيا السورية، وفرض سلطة القانون، وإنهاء أي وجود مسلح، بالوقت ذاته يشدد على أن الحوار هو الخيار الأول، لكنه ليس خياراً مفتوحاً إلى ما لا نهاية.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع، أعلن في 18 يناير عن اتفاق مع “قسد” وقعه مظلوم عبدي قبل وصوله إلى دمشق، إلا أنه سرعان ما انسحب منه بعد ساعات قليلة، وتزامن ذلك مع تحركات سريعة للجيش السوري وسيطرته على مناطق واسعة شمال شرق البلاد، وسط شد وجذب وبيانات متناقضة من “قسد” تمثلت بالتأكيد على الاتفاق تارةً وبين إعلان النفير العام والتوجّه للقتال تارةً أخرى.
أبناء العشائر.. كلمة السر
تؤكد المعطيات الميدانية أن تحرك أبناء العشائر في المنطقة كان له الأثر البالغ في سيطرة الجيش السوري وانسحاب قوات “قسد” من مواقع عديدة في الجزيرة السورية.
ويقول “هزاع”: ” ما يجري في منطقة الجزيرة هو انتفاضة شعبية لأبناء العشائر، أصحاب الأرض، بعد أن ضاقوا ذرعاً بممارسات تنظيم “قسد” الظالمة، من تهميش وإقصاء وتجنيد قسري، وفرض أمر واقع بالقوة”.
ويوضّح أن هذه التحركات لم تكن توجيهاً عسكرياً، بل نتيجة تراكم طويل من “الانتهاكات”.
ويضيف: ” الجيش السوري لم يصنع هذه الحالة، بل تدخل بمسؤولية لحماية المدنيين، ومنع الفوضى، واحتواء الوضع، وضمان عودة مؤسسات الدولة كمرجعية وحيدة للأمن والاستقرار”.
وعود الدولة السورية للأكراد
في ظل هذا التقدم السريع للجيش السوري في المنطقة، أعلنت قوات “قسد” في بيان عن “نفير عام”، وخرج مسؤول فيها ليدعو إلى حمل السلاح لكل الأكراد بالمنطقة لمواجهة “الجيش السوري” ومنعه من الوصول لمناطق تقطنها الغالبية الكردية في الحسكة.
إلا أن إياد هزاع يكشف وعود الدولة السورية تجاه هذا المكون، ويقول: “الدولة السورية تؤكد أن الأمن لا يُربط بميليشيا، بل بمؤسسات شرعية، والتجربة العملية في الشيخ مقصود والأشرفية أثبتت أن دخول الجيش ومؤسسات الدولة لم يرافقه أي تهجير أو انتقام أو فوضى”.
ويؤكد أن وعود الدولة للأكراد واضحة وهي “حماية المدنيين دون تمييز، واحترام الخصوصية الاجتماعية والثقافية، وبقاء الشرطة المحلية، وعودة الخدمات فوراً”، مشدداً على أن حقوق الكرد مصونة دستورياً وقانونياً، بعيداً عن أي ابتزاز سياسي.
الموقف الدولي وملف داعش
خلال الأيام الأخيرة برزت العديد من المواقف الدولية، بعضها دعم توجه الحكومة السورية في السيطرة على كامل الأراضي وإنهاء السلاح خارج إطار الدولة، وبعضها بدا متخوفاً ومحذراً من تضييق وانتهاكات ضد الأقليات.
وحول ذلك يوضح الدبلوماسي السوري إياد هزاع أن المواقف الدولية شهدت تحولاً ملحوظاً، تُرجم بترحيب عربي وإقليمي ودولي باتفاق الاندماج الكامل.
ويقول: “عدد كبير من الدول بات يدرك أن الدولة السورية هي الطرف الوحيد القادر فعلياً على ضبط الأمن ومحاربة الإرهاب”، لكنه يشير أيضاً إلى أن هناك محاولات محدودة تسعى “قسد” لاستثمارها، بينما لم تعد قادرة على تغيير مسار الوقائع الميدانية والسياسية.
أما عن ملف سجون مقاتلي تنظيم “داعش” والذي كان من أكثر الملفات الحسّاسة، برز الموقف الأمريكي الذي أعلنه المبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، والمتمثل بالتنسيق مع الدولة السورية وانتهاء مهمة “قسد”، وهو ما أكده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات لاحقة، لكن هذا الملف شهد تطورات بالغة الخطورة من خلال إعلان “قسد” فقدان السيطرة على السجون وفرار بعض المسجونين في الشدادي، إضافة إلى الانسحاب من حراسة مخيم الهول، لتتحرك بعدها قوات التحالف وتعلن عن خطة لنقل المسجونين إلى خارج سوريا.
وحول هذا يقول “هزاع”: ” الدولة السورية جاهزة لتأمين السجون وفق المعايير الدولية، وتحميل “قسد” المسؤولية الكاملة عن أي خرق أو إطلاق سراح”.
ويضيف: ” أثبتت الأحداث الأخيرة، خاصة في سجن الشدادي، أن الدولة تدخلت بسرعة، واستعادت السيطرة، واعتقلت معظم الفارين، والتحالف الدولي على علم كامل بهذه الوقائع، والدولة السورية أكدت مراراً أنها شريك جدي ومسؤول في مكافحة الإرهاب، لا وسيط أزمات”.
رسائل الدولة السورية إلى المكون الكردي
يشير الدبلوماسي السوري إلى أن الوقائع تثبت أن “قسد” لا تملك قرارها السيادي، ويتحدث عن وجود عناصر “بي كي كي” وأن ذلك ليس تفصيلاً.
ويقول: ” وجود عناصر “بي كي كي” ليس تفصيلاً، بل جزء بنيوي من تركيبة القرار داخل قسد، وقد ظهر ذلك جلياً في عجز قيادتها عن تنفيذ أي اتفاق موقّع، لذلك، لا تراهن الدولة السورية على وعود بالفصل أو الابتعاد عن هذا الحزب، بل على تفكيك هذا الواقع بالكامل، ضمن إطار سيادة الدولة”.
ويضيف أن الدولة السورية توجه رسالة واضحة إلى أبناء المكون الكردي: ” لا أحد يستهدفكم، وما يجري هو إنهاء حالة الميليشياوية التي لا تمثلكم، وحقوقكم محفوظة داخل الدولة السورية، لا خارجها”.
كما يشدد على أن الدولة السورية تعوّل على دور العقلاء والمرجعيات الكردية الوطنية والإقليمية في نزع فتيل التصعيد، ومنع جرّ الشارع الكردي إلى مواجهة لا تخدم إلا مشاريع خارجية، وقيادات معزولة عن واقع أهلها.
وتتجه الأنظار خلال الأيام القليلة المقبلة إلى آخر معاقل قوات “قسد” في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، وكيف سيكون رد قيادتها على الحكومة السورية مع انتهاء المهلة الممنوحة لها، وهل قرارها سيبعد أبناء المنطقة عن ويلات الحرب أم يشعل الفتيل؟
إعداد: جهاد عبد الله ستيب نيوز
المصدر: وكالة ستيب الاخبارية
