قال 9 دبلوماسيين أوروبيين إن الشعور السائد لدى كافة عواصم الاتحاد الأوروبي الـ27، قبيل الاجتماع الطارئ لزعماء التكتل في بروكسل الخميس، هو أن “الولايات المتحدة لم تعد إلى جانب أوروبا”، وسط تصاعد التوتر في العلاقات عبر الأطلسي، رغم تراجع الرئيس دونالد ترمب عن استخدام القوة العسكرية وتهديد الرسوم الجمركية لتسوية قضية جرينلاند.
وذكر الدبلوماسيون التسع الذين يأتون من دول لديها مستويات متفاوتة من المودة التاريخية للولايات المتحدة لـ”بوليتيكو”، أن هذا النمط من التفكير يبدو أكثر وضوحاً في الدول التي كانت تربطها سابقاً أقوى العلاقات مع واشنطن.
ويخيم إحساس بالتشكك والقلق على القمة التي ستمضي رغم إعلان الرئيس الأميركي الليلة الماضية، التوصل إلى إطار لاتفاق مستقبلي لتسوية قضية جرينلاند، وإنه لن يستخدم القوة العسكرية أو تهديد الرسوم الجمركية ضد الدول الأوروبية.
ورأت “بوليتيكو”، أن عقد القمة رغم تراجع الرئيس الأميركي يؤشر إلى أن هذا الاجتماع سيكون بشأن ما هو أبعد من النزاع الأخير مع واشنطن.
القشة الأخيرة
ولفتت المجلة في نسختها الأوروبية إلى أن طموحات ترمب بشأن جرينلاند، والتي فصلها في خطابه أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، مطالباً بـ”مفاوضات فورية”، للحصول على الجزيرة، شكّلت القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لكثير من القادة.
فعلى امتداد العام الأول من ولايته الثانية، تمسّك هؤلاء بالأمل في ألا تتحقق أسوأ مخاوفهم بشأن الدولة التي شكلت حجر الأساس للأمن الأوروبي منذ عام 1945.
وأشارت المجلة إلى تصريح الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي ورئيس الوزراء الدنماركي الأسبق أندرس فوج راسموسن لـ”BBC، والذي قال فيه إن لحظة المجاملة “انتهت”، وأنه حان الوقت للوقوف في وجه ترمب.
“خيانة شخصية”
وقال عدد من الدبلوماسيين لـ”بوليتيكو”، إنهم شعروا بخيانة شخصية، ولا سيما أن بعضهم درس أو عمل في الولايات المتحدة، أو دافع طويلاً عن تعزيز العلاقات عبر الأطلسي.
وذكر دبلوماسي أوروبي من دولة تُعد من أبرز المدافعين عن الشراكة مع الولايات المتحدة: “حلمنا الأميركي مات. دونالد ترمب قتله”.
ومن المرجح أن يتجلى هذا الإدراك الجماعي الأوروبي خلال القمة، ليس فقط من خلال قرارات محتملة للاستعداد لإجراءات تجارية انتقامية ضد الولايات المتحدة في حال عاد ترمب للتصعيد ومضى قدماً في مطالبه بشأن جرينلاند.
كما سيظهر ذلك في التصريحات التي يُتوقع أن يتبادلها القادة فيما بينهم، أولاً في الاجتماعات المغلقة ثم علناً. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد لمح إلى ذلك في خطابه بدافوس، قائلاً إن أوروبا تمتلك “أدوات قوية جداً”، وإن علينا استخدامها عندما لا يتم احترامنا، وعندما لا يتم احترام قواعد اللعبة.
ارتياح حذر ومحدود
ولم يسهم خطاب ترمب في دافوس، الذي وصف خلاله الجزيرة ذات الحكم الذاتي التابعة للدنمارك بأنها “أرضنا”، لم يسهم في تهدئة الأجواء، وذلك قبل 24 ساعة فقط من الاجتماع الطارئ في بروكسل لمناقشة الرد الأوروبي المقبل على تفكك النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
ورغم أن ترمب استبعد استخدام القوة العسكرية للاستيلاء على جرينلاند، فإن حكومات الاتحاد الأوروبي لم تعتبر ذلك تراجعاً حقيقياً، نظراً لحدة لهجته تجاه أوروبا عموماً، وللتأكيد الواضح على نواياه، بحسب دبلوماسيين أوروبيين.
وقالت مصادر أوروبية إنه رغم أن ترمب تراجع عن تهديده بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية رأى أنها تعرقل مساعيه بشأن جرينلاند، لكن، “الأوان قد فات”.
وقال نائب المستشار الألماني لارس كلينجبايل لمحطة ZDF الألمانية: “بعد الأخذ والرد خلال الأيام الماضية، ينبغي أن ننتظر ونرى ما هي الاتفاقات الجوهرية التي سيتم التوصل إليها بين الأمين العام للناتو مارك روته والسيد ترمب. ومهما كان الحل الذي سيُعتمد لجرينلاند، يجب على الجميع أن يدرك أننا لا نستطيع الجلوس والاطمئنان”.
وأضاف دبلوماسي أوروبي أن اللحظة التي هدد فيها الرئيس الأميركي بفرض الرسوم الجمركية، السبت، هي اللحظة التي أصبح فيها الانقسام واقعاً ملموساً.
وقال دبلوماسي آخر، في إشارة إلى تراجع ترمب: “ربما يمنحنا هذا الضغط بضعة أشهر، وربما يكون أمراً دائماً. أعتقد أن خطاب ترمب في دافوس، سيمنحنا مادة للتفكير في معظم العواصم، إن لم يكن كلها، سواء فُرضت الرسوم أم لا”.
العالم تغير
ولخصت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين المزاج السائد خلال خطابها في دافوس قائلة إن “العالم تغيّر بشكل دائم. وعلينا أن نتغير معه”.
وخلال القمة، سيناقش قادة الاتحاد الأوروبي وضع العلاقات عبر الأطلسي. وقبل تراجع ترمب عن الرسوم، كانوا يستعدون للطلب من المفوضية الأوروبية تفعيل أقوى أدواتها التجارية ضد الولايات المتحدة، وهي “أداة مكافحة الإكراه” (ACI).
وكان الاتحاد الأوروبي قد أنشأ هذه الأداة المعروفة بـ”البازوكا”، عام 2023 للتعامل مع ما اعتبره تهديدات من دول تتصرف بعدائية، وعلى رأسها الصين، التي خشي أن تستخدم أسواقها واقتصادها لابتزاز الاتحاد. أما فكرة استخدامها ضد الولايات المتحدة، فكانت حتى وقت قريب أمراً لا يمكن تصوره.
وقال مبعوث رفيع من دولة تُعد من أقرب حلفاء واشنطن داخل الاتحاد الأوروبي: “نحن نشهد شرخاً كبيراً في النظام العالمي”.
وأضاف أن القادة سيناقشون مسألة “تقليل المخاطر” في العلاقة مع الولايات المتحدة، وهو تعبير كان يُستخدم سابقاً حصراً في سياق العلاقة مع بكين. وختم بالقول: “الثقة فُقدت”.
