خالد بن أحمد العامري
في وقت يئن فيه الشرق الأوسط تحت وطأة الحروب المزمنة وفشل الحلول الدولية، يبرز كيان جديد تحت مسمّى «مجلس السلام»، بصلاحيات استثنائية ممنوحة لرئيسه، ما يفتح بابًا واسعًا للشك لا للتفاؤل. فحين تمنح القيادة سلطة حصرية بلا رقابة، ويُحصن الرئيس من العزل إلا بالاستقالة أو العجز، فإننا لا نكون أمام مؤسسة سلام، بل أمام زعامة فردية بواجهة دولية.
الخطر لا يكمن في قوة هذا المجلس، فهو لا يملك شرعية أممية ولا أدوات إلزام، بل في المنطق الذي يروّج له: تجاوز المؤسسات الدولية، وتهميش القانون الدولي، واستبدال التعددية بمنصات شخصانية تدار بعقلية الصفقة لا العدالة.
وبالنسبة للشرق الأوسط، فإن التجربة مع هذا النمط من المبادرات ليست مشجعة. فمن «صفقة القرن» إلى مسارات التطبيع المفروضة، اعتادت المنطقة على مشاريع تصاغ خارج إرادة شعوبها، وتقدم كحلول سلام، بينما هي في جوهرها إعادة ترتيب نفوذ ومصالح. والخشية أن يتحول «مجلس السلام» إلى نسخة جديدة من هذا النهج، حيث يُدار السلام من الأعلى، ويُسوَّق إعلاميًا، دون جذور قانونية أو قبول شعبي.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه الشرق الأوسط اليوم ليس زعيمًا قويًا، بل فاعل دولي غير رسمي بلا التزام: لا مساءلة، ولا ضمانات، ولا استمرارية مؤسسية؛ فالتفاهمات التي لا تستند إلى القانون الدولي تبقى هشة، مرتبطة بالأشخاص لا بالمبادى، وقابلة للانهيار عند أول اختبار.
والمفارقة اللافتة أن هذا المجلس، الذي قوبل بتحفظ ورفض من دول عديدة حول العالم، لم يلقَ الموقف الحازم ذاته من عدد من الدول العربية والإسلامية، بل إن بعضها انضم فعليًا إليه، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول استمرار الارتهان لمبادرات خارجية لا تضمن عدالة ولا تحفظ حقوقًا للعالم العربي والاسلامي.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مجالس تُدار بعقلية الفرد، ولا إلى سلام يُفرض عبر المنابر الإعلامية، بل إلى عدالة دولية حقيقية، واحترام لقرارات الشرعية الدولية، وإرادة سياسية تُنهي الصراعات بدل إعادة تدويرها.
وما دون ذلك، ليس سلامًا… بل تأجيلٌ مؤقت لأزماتٍ مؤجَّلة أصلًا.
